تشهد منطقة شمال إفريقيا تطورات سياسية وعسكرية لافتة، مع بروز مؤشرات على تقارب استراتيجي متزايد بين المملكة المغربية والمؤسسة العسكرية الليبية، في خطوة قد تحمل أبعاداً تتجاوز حدود التعاون العسكري التقليدي، لتصل إلى التأثير في موازين النفوذ الإقليمي.
وجاء هذا التقارب عقب زيارة رسمية أجراها الفريق أول ركن خالد حفتر، رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة العربية الليبية، إلى المملكة المغربية، استمرت خمسة أيام خلال الفترة من 11 إلى 15 أكتوبر، في زيارة حملت دلالات سياسية وعسكرية مهمة، وشهدت استقبالاً عسكرياً رفيع المستوى ولقاءات مع كبار قادة القوات المسلحة الملكية المغربية.
وتفتح هذه الزيارة الباب أمام تساؤلات عديدة حول طبيعة العلاقة العسكرية الجديدة بين الرباط والقيادة العسكرية في شرق ليبيا، والأهداف التي يسعى كل طرف إلى تحقيقها، ومدى تأثير هذا التقارب على التوازنات الإقليمية، خصوصاً في ظل التنافس المتصاعد بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي.
فهل نحن أمام بداية تحالف عسكري مغربي ليبي جديد؟ وهل يتحول المغرب إلى شريك رئيسي في إعادة بناء الجيش الليبي؟ وما انعكاسات هذا التقارب على الحسابات الأمنية والاستراتيجية للجزائر؟
أولاً: كيف بدأت خيوط التقارب العسكري بين المغرب وليبيا؟
لم يكن التقارب العسكري بين المغرب وليبيا وليد اللحظة، بل سبقته سلسلة من الاتصالات واللقاءات التي مهدت الطريق أمام مرحلة جديدة من العلاقات بين المؤسستين العسكريتين.
وتعود إحدى المحطات المهمة إلى يوليو، عندما التقى الفريق أول ركن خالد حفتر بالفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية المغربية، على هامش مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة الذي استضافته العاصمة الأنغولية لواندا.
ورغم أن اللقاء بدا في حينه ضمن سلسلة اللقاءات العسكرية المعتادة بين المسؤولين الأفارقة، فإن تطور الأحداث أظهر أنه كان بداية لمسار من التواصل والتنسيق بين الجانبين.
وبعد نحو ثلاثة أشهر، انتقل هذا التواصل إلى مستوى أكثر تقدماً من خلال الزيارة الرسمية التي أجراها خالد حفتر إلى المغرب، والتي استمرت خمسة أيام، وشملت لقاءات عسكرية وزيارات ميدانية لمؤسسات ووحدات تابعة للقوات المسلحة الملكية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تعكس رغبة متبادلة في الانتقال من الاتصالات البروتوكولية إلى بحث فرص التعاون العملي، خصوصاً في مجالات التدريب العسكري وتبادل الخبرات والتنسيق بين القيادات.
كما تأتي هذه التحركات في وقت تسعى فيه المؤسسة العسكرية الليبية إلى تعزيز قدراتها وإعادة بناء هياكلها التنظيمية بعد سنوات طويلة من الانقسام والصراع الداخلي.
ثانياً: المحطات الأربع لزيارة خالد حفتر إلى المغرب
لم تكن زيارة رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة العربية الليبية مجرد زيارة رسمية تقليدية، بل تضمنت محطات عسكرية ورمزية يمكن قراءة دلالاتها في سياق توجه البلدين نحو بناء علاقة أكثر عمقاً.
1- استقبال عسكري رفيع المستوى
بدأت الزيارة باستقبال رسمي للفريق أول ركن خالد حفتر، حيث حظي الوفد الليبي بمراسم استقبال عسكرية رفيعة المستوى، أشرف عليها نائب المفتش العام للقوات المسلحة الملكية المغربية، اللواء الركن مراد المنير.
ويحمل هذا النوع من الاستقبال دلالة على أهمية الضيف والمستوى الذي ترغب الرباط في إظهاره للعلاقات مع القيادة العسكرية الليبية.
فالاستقبال العسكري ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل يمثل في العلاقات بين المؤسسات العسكرية رسالة احترام وتقدير، وقد يعكس رغبة الدولة المضيفة في إعطاء الزيارة طابعاً استراتيجياً.
2- لقاء القيادة العامة في الرباط
كانت المحطة الثانية في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية المغربية، حيث عقد خالد حفتر لقاءً مع المفتش العام الفريق أول محمد بريظ.
وتناول اللقاء سبل تعزيز العلاقات العسكرية بين الجانبين، وبحث آليات التشاور والتنسيق المستمر، إضافة إلى فرص تبادل الخبرات والاستفادة من التجربة المغربية في تنظيم القوات المسلحة وتطوير قدراتها.
وتكتسب هذه المحطة أهمية خاصة، لأنها تمثل المستوى القيادي الذي يمكن من خلاله وضع الأسس الأولية لأي تعاون عسكري مستقبلي.
كما أن التركيز على آليات التشاور الدائم يشير إلى أن الطرفين لا ينظران إلى الزيارة باعتبارها حدثاً منفصلاً، وإنما باعتبارها فرصة لتأسيس قنوات اتصال أكثر استمرارية.
3- زيارة لواء المشاة المظليين.. الرسالة العسكرية الأهم
كانت زيارة ميدان لواء المشاة المظليين من أبرز محطات البرنامج العسكري، حيث اطلع الوفد الليبي على جانب من القدرات التدريبية المغربية في مجال العمليات المحمولة جواً.
وشملت الزيارة التعرف على أساليب الإسقاط الجوي التكتيكي، وبرامج التدريب العسكري، واستخدام تقنيات المحاكاة والواقع الافتراضي في إعداد وتأهيل القوات.
وهنا تظهر أهمية اختيار القوات المظلية تحديداً.
فالقوات المحمولة جواً تمثل أحد أهم عناصر التدخل السريع في الجيوش الحديثة، إذ يمكن استخدامها في تنفيذ مهام عسكرية وأمنية تتطلب سرعة الحركة والوصول إلى مناطق بعيدة أو يصعب الوصول إليها بالوسائل التقليدية.
وبالنسبة إلى ليبيا، التي تمتلك مساحة جغرافية شاسعة وحدوداً صحراوية طويلة، فإن تطوير وحدات عالية الحركة والجاهزية يمثل تحدياً استراتيجياً مهماً.
وقد يكون اهتمام الوفد الليبي بالتجربة المغربية في هذا المجال مؤشراً على وجود رغبة في الاستفادة من الخبرات التدريبية المغربية لتطوير بعض وحدات الجيش الليبي.
4- زيارة ضريح محمد الخامس.. البعد التاريخي والسياسي
اختتم الوفد الليبي إحدى أبرز محطاته بزيارة ضريح الملك الراحل محمد الخامس والملك الحسن الثاني في الرباط، حيث ترحم على روحيهما.
ورغم الطابع الرمزي لهذه الزيارة، فإنها تحمل رسالة تتجاوز البروتوكول العسكري.
فالعلاقات بين الدول لا تقوم على المصالح العسكرية والأمنية فقط، وإنما تستند أيضاً إلى الروابط التاريخية والسياسية والاحترام المتبادل.
ومن خلال هذه الزيارة، ظهر حرص الوفد الليبي على إبراز تقديره للمؤسسة الملكية المغربية ورموز الدولة، وهو ما ينسجم مع رغبة الجانبين في بناء علاقة تتجاوز التعاون الفني المحدود.
ثالثاً: لماذا تحتاج ليبيا إلى الخبرة العسكرية المغربية؟
تواجه ليبيا تحديات أمنية وعسكرية معقدة نتيجة سنوات من الانقسام السياسي والعسكري، فضلاً عن اتساع مساحتها الجغرافية وتعدد التهديدات المحيطة بها.
وتشترك ليبيا في حدود برية مع ست دول هي مصر والسودان وتشاد والنيجر والجزائر وتونس، كما تمتلك ساحلاً طويلاً على البحر المتوسط.
وهذا الموقع الجغرافي يمنحها أهمية استراتيجية كبيرة، لكنه يفرض في الوقت نفسه أعباء أمنية ضخمة على مؤسساتها العسكرية.
ومن أبرز التحديات التي تواجه الجيش الليبي:
1- تأمين الحدود الصحراوية الطويلة ومراقبة المناطق النائية.
2- مكافحة شبكات التهريب والجريمة المنظمة عبر الحدود.
3- مواجهة تحركات الجماعات المسلحة في مناطق الساحل والصحراء.
4- حماية المنشآت النفطية ومصادر الطاقة.
5- تطوير وحدات التدخل السريع والقوات الخاصة.
6- تحديث أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات العسكرية.
7- رفع مستوى التدريب والانضباط والجاهزية القتالية.
وتحتاج مواجهة هذه التحديات إلى جيش يمتلك القدرة على الانتشار السريع والعمل في بيئات جغرافية مختلفة، من المناطق الصحراوية المفتوحة إلى المدن والمناطق الساحلية.
وهنا يمكن أن تقدم التجربة المغربية خبرات مهمة، خصوصاً في مجالات التدريب العسكري، وتنظيم الوحدات، والعمليات المشتركة، والمشاركة في مهام حفظ السلام الدولية.
لكن من المهم التمييز بين نقل الخبرات العسكرية وبين إنشاء تحالف دفاعي متكامل؛ فالأمر الثاني يحتاج إلى اتفاقات رسمية وآليات واضحة لم يتم الإعلان عنها حتى الآن.
رابعاً: القوات المظلية.. لماذا تحظى بهذا الاهتمام؟
يمثل الاهتمام بالقوات المظلية أحد أبرز الجوانب العسكرية التي ظهرت خلال الزيارة.
وتعتبر القوات المظلية من وحدات النخبة في العديد من الجيوش، نظراً لطبيعة المهام التي يمكن أن تنفذها، والتي تتطلب تدريباً عالياً ولياقة بدنية وانضباطاً وقدرة على العمل في ظروف صعبة.
وتتميز هذه القوات بعدد من الخصائص المهمة:
1- سرعة الانتشار والوصول إلى المناطق البعيدة.
2- تنفيذ مهام عسكرية تتطلب تحركاً سريعاً.
3- العمل في بيئات جغرافية متنوعة.
4- تنفيذ عمليات الإسناد والتدخل عند الضرورة.
5- القدرة على العمل ضمن تشكيلات عسكرية مشتركة.
وتكتسب هذه القدرات أهمية إضافية في الحالة الليبية، بسبب اتساع المساحات الصحراوية وصعوبة مراقبة بعض المناطق الحدودية.
كما أن تطوير هذه الوحدات يمكن أن يكون جزءاً من عملية أوسع لتحديث الجيش الليبي، بحيث لا يقتصر التطوير على زيادة أعداد القوات أو امتلاك الأسلحة، وإنما يشمل بناء وحدات محترفة قادرة على تنفيذ المهام بكفاءة.
خامساً: المغرب وأمريكا.. جسر جديد لتطوير الجيش الليبي؟
لا يمكن قراءة التقارب العسكري المغربي الليبي بمعزل عن العلاقات الدفاعية التي تربط المغرب بالولايات المتحدة الأمريكية.
فالمغرب يمتلك علاقات عسكرية وأمنية وثيقة مع واشنطن، ويشارك في تدريبات عسكرية دولية، من أبرزها مناورات الأسد الإفريقي التي تجمع قوات من دول متعددة وتوفر بيئة للتدريب المشترك وتبادل الخبرات.
كما يرتبط المغرب بتعاون دفاعي طويل الأمد مع الولايات المتحدة، في إطار خارطة طريق للتعاون العسكري تمتد للفترة 2026-2036، وفق المعطيات الواردة في المادة محل التحليل.
وفي المقابل، توجد قنوات تعاون وتنسيق بين القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا، المعروفة باسم أفريكوم، وعدد من المؤسسات العسكرية الليبية، ضمن جهود التدريب وتعزيز القدرات الأمنية.
وتكمن أهمية هذا التقاطع في إمكانية استفادة ليبيا بصورة غير مباشرة من الخبرات المغربية في مجالات التدريب والتنظيم والتأهيل العسكري وفق معايير حديثة.
وقد يتحول المغرب إلى منصة إقليمية لتبادل الخبرات العسكرية بين المؤسسات الإفريقية، مستفيداً من علاقاته الدولية وتجربته في التدريبات المشتركة.
لكن لا توجد معطيات معلنة تثبت أن المغرب حصل على تفويض أمريكي لتدريب الجيش الليبي أو أنه أصبح قناة رسمية لنقل المعايير العسكرية الأمريكية إليه.
والأقرب أن التعاون المغربي الليبي، إذا تطور، يمكن أن يشكل إضافة إلى مسارات التعاون الدولي القائمة، وليس بالضرورة بديلاً عنها.
سادساً: ماذا تكسب ليبيا من التقارب العسكري مع المغرب؟
تسعى المؤسسة العسكرية الليبية إلى تجاوز آثار الانقسام والصراعات التي أثرت في بنيتها خلال السنوات الماضية، ولذلك فإن الانفتاح على تجارب عسكرية إقليمية مختلفة يمثل فرصة مهمة لتطوير قدراتها.
ويمكن تحديد أبرز المكاسب الليبية المحتملة في عدة نقاط:
1- الاستفادة من الخبرة العسكرية المغربية
يمتلك الجيش المغربي تجربة طويلة في التدريب والتأهيل والمشاركة في عمليات حفظ السلام الدولية، وهو ما يجعله شريكاً محتملاً للاستفادة من خبراته التنظيمية والتدريبية.
2- تطوير وحدات النخبة
يمكن أن يساعد التعاون في إعداد وحدات ليبية أكثر احترافية، خصوصاً في مجالات القوات المظلية والتدخل السريع والعمليات الخاصة.
3- تحسين صورة المؤسسة العسكرية الليبية
إن إقامة علاقات رسمية مع مؤسسات عسكرية إقليمية ودولية قد تعزز صورة الجيش الليبي بوصفه مؤسسة تسعى إلى التطوير والاحترافية.
4- تنويع الشراكات العسكرية
لا تحتاج ليبيا إلى الاعتماد على طرف دولي واحد في بناء قدراتها، بل يمكنها الاستفادة من تجارب متعددة، بما فيها التجربة المغربية والمصرية والتركية والأمريكية، وفق ما تسمح به الظروف السياسية والقانونية.
5- دعم مسار توحيد المؤسسة العسكرية
يمكن أن يشكل التعاون الخارجي حافزاً لتطوير المعايير المهنية والتنظيمية، لكنه لن يكون بديلاً عن التفاهمات السياسية والعسكرية الداخلية الضرورية لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
سابعاً: ماذا يكسب المغرب من التقارب مع الجيش الليبي؟
إذا كانت ليبيا تبحث عن الخبرة والتدريب، فإن المغرب يمتلك بدوره حسابات استراتيجية تجعله مهتماً بتعزيز علاقاته مع المؤسسات الليبية.
فالمغرب لا ينظر إلى ليبيا باعتبارها دولة بعيدة جغرافياً، وإنما باعتبارها جزءاً مهماً من معادلة الأمن في شمال إفريقيا والساحل الإفريقي.
ويمكن تلخيص المكاسب المغربية المحتملة في الآتي:
1- تعزيز النفوذ المغربي داخل ليبيا
قد يمنح التعاون العسكري الرباط فرصة لتعزيز علاقاتها مع المؤسسات العسكرية الليبية، وتوسيع حضورها السياسي والدبلوماسي في الملف الليبي.
2- الانتقال من الوساطة السياسية إلى التعاون العسكري
لعب المغرب دوراً دبلوماسياً مهماً في الأزمة الليبية، خصوصاً من خلال اتفاق الصخيرات عام 2015، الذي شكل محطة رئيسية في مسار التسوية السياسية الليبية.
ومن خلال الانفتاح العسكري الحالي، يمكن للرباط أن توسع دورها من الوساطة السياسية إلى بناء شراكات مؤسسية مع الأطراف الليبية.
3- تعزيز الحضور في منطقة الساحل الإفريقي
تمثل ليبيا بوابة جغرافية مهمة نحو منطقة الساحل والصحراء، التي أصبحت ساحة تنافس دولي وإقليمي بين قوى عديدة، من بينها الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا ودول إقليمية أخرى.
وأي تعاون مغربي ليبي مستقر يمكن أن يمنح الرباط مساحة إضافية للتحرك الدبلوماسي والأمني في هذه المنطقة.
4- تنويع الشراكات الاستراتيجية
يسعى المغرب إلى توسيع شبكة علاقاته الدفاعية مع الدول الإفريقية والعربية، وهو ما يمنحه فرصاً لتعزيز مكانته كقوة إقليمية تمتلك علاقات متعددة الاتجاهات.
ثامناً: لماذا تراقب الجزائر التقارب العسكري المغربي الليبي بقلق؟
تعد هذه النقطة من أكثر جوانب التقارب حساسية، نظراً إلى طبيعة العلاقات بين المغرب والجزائر، وما تشهده من خلافات سياسية واستراتيجية ممتدة منذ سنوات.
فالبلدان يمتلكان رؤيتين مختلفتين لعدد من الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها قضية الصحراء الغربية، فضلاً عن استمرار إغلاق الحدود البرية بينهما منذ عام 1994 وقطع العلاقات الدبلوماسية في عام 2021.
وفي ظل هذه الخلفية، فإن أي توسع في العلاقات العسكرية المغربية مع دولة تقع شرق الجزائر قد يحظى باهتمام كبير لدى صناع القرار في الجزائر.
وتزداد حساسية المسألة بسبب الموقع الجغرافي لليبيا، التي تشترك مع الجزائر في حدود برية طويلة، وتتمتع بموقع استراتيجي يربط شمال إفريقيا بمنطقة الساحل والصحراء.
ومن المنظور الجزائري، قد يثير تعزيز التعاون العسكري بين الرباط والقيادة العسكرية في شرق ليبيا تساؤلات حول مستقبل التوازنات الأمنية في المنطقة.
لكن من الضروري عدم الخلط بين التقارب العسكري المغربي الليبي وبين وجود اتفاق معلن يستهدف الجزائر.
فحتى الآن، لا توجد أدلة رسمية تثبت أن التعاون بين البلدين يستهدف تطويق الجزائر أو تشكيل حلف عسكري معادٍ لها.
ومع ذلك، فإن التطورات قد تدفع الجزائر إلى متابعة طبيعة الاتفاقات والتدريبات التي يمكن أن تنتج عن هذا التقارب، خصوصاً إذا انتقل من تبادل الخبرات إلى شراكة دفاعية أوسع.
تاسعاً: هل تتغير موازين القوى في شمال إفريقيا؟
تعيش منطقة شمال إفريقيا مرحلة من التحولات العسكرية والاستراتيجية، في ظل تعدد الشراكات الدولية، وتزايد الاهتمام بالقواعد العسكرية والتسليح والتدريبات المشتركة.
وتوجد في المنطقة قوى عسكرية رئيسية، من بينها مصر والجزائر والمغرب، إلى جانب تركيا التي تمتلك حضوراً مؤثراً في ليبيا، فضلاً عن أدوار روسيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية.
وفي هذا السياق، فإن التقارب المغربي الليبي قد يضيف متغيراً جديداً إلى معادلة التوازن الإقليمي.
لكن تأثيره الفعلي سيعتمد على مدى تطور التعاون بين الطرفين.
فإذا اقتصر الأمر على تبادل الزيارات والخبرات والتدريب، فسيكون تأثيره محدوداً نسبياً، لكنه قد يساهم في بناء علاقات مؤسسية طويلة الأمد.
أما إذا تطور إلى اتفاقات دفاعية رسمية وتدريبات مشتركة منتظمة وتعاون في مجالات التسليح والصيانة والقيادة والسيطرة، فقد يصبح أحد العوامل المؤثرة في إعادة تشكيل العلاقات الأمنية في شمال إفريقيا.
ومن المهم أيضاً أن مستقبل الجيش الليبي نفسه سيظل عاملاً حاسماً؛ فالتعاون مع المغرب أو غيره لن يؤدي وحده إلى تغيير موازين القوى ما لم تنجح ليبيا في بناء مؤسسة عسكرية موحدة وفعالة.
عاشراً: التحديات التي قد تعرقل التحالف المغربي الليبي
رغم المؤشرات الإيجابية، فإن الطريق أمام بناء شراكة عسكرية استراتيجية بين المغرب وليبيا ليس خالياً من العقبات.
وتوجد مجموعة من التحديات التي قد تحد من قدرة الطرفين على تحويل التقارب الحالي إلى تحالف طويل الأمد.
1- الانقسام السياسي والعسكري الليبي
لا تزال ليبيا تواجه تحديات تتعلق بتعدد مراكز السلطة والنفوذ العسكري، وهو ما يجعل بناء شراكات عسكرية موحدة أمراً معقداً.
2- تعدد الأطراف الدولية داخل ليبيا
توجد قوى دولية وإقليمية تمتلك مصالح ونفوذاً داخل المشهد الليبي، وقد يؤدي اختلاف حساباتها إلى تعقيد أي ترتيبات عسكرية جديدة.
3- غياب اتفاقية دفاعية معلنة
حتى الآن، لا تكفي الزيارات الرسمية واللقاءات العسكرية للحديث عن تحالف دفاعي مكتمل، إذ يتطلب ذلك اتفاقيات مكتوبة تحدد طبيعة التعاون والتزاماته.
4- اختلاف الأولويات العسكرية
يركز المغرب على تطوير قدراته الدفاعية وتعزيز علاقاته الدولية، بينما تواجه ليبيا احتياجات أكثر إلحاحاً تتعلق بإعادة بناء مؤسساتها العسكرية وتأمين حدودها ومنشآتها الحيوية.
5- التوازنات الإقليمية الحساسة
أي تعاون عسكري جديد في شمال إفريقيا قد يخضع لحسابات الدول المجاورة، خصوصاً في ظل التنافس السياسي والعسكري بين بعض القوى الإقليمية.
الحادي عشر: السيناريوهات المحتملة لمستقبل التعاون المغربي الليبي
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل هذه العلاقة.
السيناريو الأول: شراكة تدريبية محدودة
وهو السيناريو الأكثر تحفظاً، ويقوم على استمرار تبادل الزيارات والخبرات وتنظيم برامج تدريبية مشتركة، دون الوصول إلى اتفاقية دفاعية شاملة.
وفي هذه الحالة، سيستفيد الجيش الليبي من التجربة المغربية في بعض المجالات، بينما يعزز المغرب علاقاته مع المؤسسة العسكرية الليبية.
السيناريو الثاني: شراكة عسكرية استراتيجية
يقوم هذا السيناريو على انتقال التعاون إلى مستوى أكثر تقدماً، من خلال توقيع اتفاقيات رسمية تشمل التدريب والتأهيل والتنسيق وتبادل المعلومات والخبرات العسكرية.
وقد يؤدي ذلك إلى ظهور علاقة استراتيجية طويلة الأمد بين المؤسستين العسكريتين.
السيناريو الثالث: تحالف إقليمي أوسع
وهو السيناريو الأكثر تأثيراً، لكنه يحتاج إلى متطلبات سياسية وعسكرية كبيرة، من بينها استقرار الوضع الليبي وتوحيد مؤسساته العسكرية، ووجود توافق رسمي على طبيعة العلاقة الدفاعية بين البلدين.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، فقد يصبح التعاون المغربي الليبي أحد العناصر الجديدة المؤثرة في معادلة الأمن الإقليمي بشمال إفريقيا.
الخاتمة: هل نشهد ولادة محور عسكري جديد في شمال إفريقيا؟
تكشف زيارة الفريق أول ركن خالد حفتر إلى المغرب عن تطور مهم في العلاقات بين الرباط والمؤسسة العسكرية الليبية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون المحتمل في مجالات التدريب وتبادل الخبرات والتنسيق العسكري.
وبالنسبة إلى ليبيا، يمثل المغرب شريكاً يمكن الاستفادة من تجربته العسكرية والتنظيمية في مسار إعادة بناء المؤسسة العسكرية وتعزيز قدراتها.
أما بالنسبة إلى المغرب، فإن الانفتاح على القيادة العسكرية الليبية قد يمنحه حضوراً أوسع في أحد أهم الملفات الاستراتيجية بشمال إفريقيا، ويعزز موقعه في معادلات الأمن الإقليمي ومنطقة الساحل الإفريقي.
وفي المقابل، ستراقب الجزائر هذه التطورات بحكم حساسيتها الجيوسياسية، وموقع ليبيا في معادلة الأمن الإقليمي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن التقارب المغربي الليبي يستهدفها عسكرياً.
والسؤال الأهم الآن ليس ما إذا كانت الزيارة تحمل رسائل سياسية وعسكرية، بل ما إذا كانت هذه الرسائل ستتحول إلى اتفاقيات وبرامج تدريبية وتعاون مؤسسي حقيقي.
فالمشهد لا يزال في مرحلة التشكّل، والتحالفات لا تُقاس بمراسم الاستقبال أو الصور الرسمية، وإنما بما ينتج عنها من التزامات وقدرات وتعاون مستمر على أرض الواقع.
قد لا تكون زيارة خالد حفتر إلى الرباط مجرد محطة عسكرية عابرة، بل بداية لمسار جديد قد تكون له انعكاسات مهمة على مستقبل العلاقات العسكرية في شمال إفريقيا.

تعليقات
إرسال تعليق