لكن التحولات الإقليمية المتسارعة، والحروب المتكررة مع إسرائيل، والخسائر التي تعرض لها الحزب، والضغوط الداخلية والدولية لنزع سلاحه، جعلت مستقبله موضع تساؤل متزايد.
فما قصة تأسيس حزب الله؟ وكيف تطورت علاقته بإيران؟ ولماذا يُعد من أبرز خصوم إسرائيل؟ وما تأثيره في مستقبل الدولة اللبنانية والتوازنات الإقليمية؟
في هذا التقرير، نستعرض تاريخ حزب الله وأبرز محطاته السياسية والعسكرية، ونحلل علاقاته الإقليمية والتحديات التي تواجهه، مع التمييز بين الوقائع التاريخية والتقديرات السياسية.
أولًا: ما هو حزب الله اللبناني؟
حزب الله تنظيم سياسي وعسكري لبناني ذو مرجعية إسلامية شيعية، تأسس في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، في ظل الحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
يشارك الحزب في الحياة السياسية اللبنانية من خلال العمل الحزبي والانتخابات البرلمانية والتحالفات السياسية، كما يمتلك قاعدة اجتماعية واسعة، خصوصًا بين قطاعات من الطائفة الشيعية، ويقدم خدمات اجتماعية ومساعدات لمؤيديه ومجتمعات محلية.
وفي الوقت نفسه، يمتلك الحزب جناحًا عسكريًا مستقلًا عن القوات المسلحة اللبنانية، وهو ما جعله محور خلاف داخلي بشأن سيادة الدولة واحتكار استخدام القوة.
ويستند الحزب في خطابه السياسي إلى مقاومة إسرائيل، بينما ترى أطراف لبنانية ودولية أن استمرار امتلاكه السلاح خارج إطار الدولة يهدد الاستقرار ويحد من قدرة المؤسسات اللبنانية على اتخاذ قرارات الحرب والسلم بصورة مستقلة.
وتصنف الولايات المتحدة الحزب بكامله منظمة إرهابية، كما تصنفه دول أخرى، بينما تختلف المواقف الأوروبية بين تصنيف التنظيم كاملًا أو جناحه العسكري، بحسب الدولة والتشريعات المعمول بها.
ثانيًا: كيف تأسس حزب الله؟ وما الظروف التي أدت إلى ظهوره؟
لفهم نشأة حزب الله، لا بد من العودة إلى الأوضاع السياسية والأمنية التي شهدها لبنان في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، نتيجة مجموعة معقدة من العوامل، شملت الانقسامات الطائفية والسياسية، وضعف مؤسسات الدولة، والتنافس بين القوى المحلية، وتأثير الصراع العربي الإسرائيلي والوجود الفلسطيني المسلح في لبنان.
وفي عام 1978، اجتاحت القوات الإسرائيلية أجزاء من جنوب لبنان، ثم نفذت اجتياحًا واسعًا عام 1982، وصل إلى بيروت، بهدف معلن تمثل في إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان.
أوجد الاجتياح الإسرائيلي والوجود العسكري في الأراضي اللبنانية ظروفًا ساهمت في ظهور حركات مسلحة جديدة، من بينها حزب الله.
وتأثر مؤسسو الحزب بالثورة الإيرانية عام 1979، وبأفكار القيادة الإيرانية الجديدة، كما تلقوا دعمًا إيرانيًا شمل التدريب والتمويل والمساندة التنظيمية، بمشاركة الحرس الثوري الإيراني.
وتدريجيًا، توحدت مجموعات وشخصيات شيعية مختلفة ضمن إطار تنظيمي حمل اسم حزب الله، الذي يعني «حزب الله».
وفي عام 1985، أعلن الحزب عن هويته وأهدافه السياسية والأيديولوجية بصورة أكثر وضوحًا، مؤكدًا معاداته لإسرائيل ورفضه للنفوذ الغربي في المنطقة.
ومنذ ذلك الحين، تطورت علاقته بإيران لتصبح إحدى الركائز الأساسية في بنيته السياسية والعسكرية.
ثالثًا: ما علاقة حزب الله بإيران؟
تُعد العلاقة بين حزب الله وإيران من أهم العوامل المؤثرة في فهم سياسات الحزب ودوره الإقليمي.
منذ تأسيسه، حصل الحزب على دعم إيراني مالي وعسكري وسياسي، واستفاد من علاقاته مع الحرس الثوري الإيراني في تطوير قدراته التنظيمية والعسكرية.
وتتقاطع أهداف الطرفين في معارضة إسرائيل ومواجهة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، كما ينتمي الطرفان إلى شبكة من العلاقات الإقليمية التي تُعرف في التحليلات السياسية بمحور المقاومة.
وتعتبر طهران حزب الله أحد أهم حلفائها الإقليميين، في حين ينظر خصوم الحزب إلى هذه العلاقة باعتبارها دليلًا على ارتباط قراراته الاستراتيجية بحسابات السياسة الإيرانية.
أما الحزب، فيقدم علاقته بإيران بوصفها تحالفًا سياسيًا وعقائديًا واستراتيجيًا، ويؤكد أن دوره العسكري مرتبط بمواجهة إسرائيل والدفاع عن لبنان.
وتثير هذه العلاقة خلافًا واسعًا داخل لبنان؛ إذ يرى مؤيدو الحزب أنها تمنحه القدرة على الردع في مواجهة إسرائيل، بينما يعتبر معارضوه أن ارتباطه العسكري بطهران قد يضع لبنان في صراعات لا تتوافق بالضرورة مع مصالح جميع اللبنانيين.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تتصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل أو الولايات المتحدة، لأن أي تصعيد إقليمي يمكن أن ينعكس على الجبهة اللبنانية.
رابعًا: حزب الله وإسرائيل.. من المقاومة إلى الحروب المتكررة
يمثل الصراع مع إسرائيل المحور الرئيسي في تاريخ حزب الله العسكري والسياسي.
منذ ثمانينيات القرن الماضي، خاض الحزب مواجهات متكررة مع القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، مستفيدًا من طبيعة المنطقة الجغرافية ومن أساليب حرب العصابات.
وفي مايو 2000، انسحبت إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية التي كانت تحتلها في الجنوب، بعد وجود عسكري استمر سنوات طويلة. وقد اعتبر حزب الله الانسحاب انتصارًا مهمًا له، وعزز ذلك مكانته لدى قطاع من اللبنانيين ومؤيديه في المنطقة.
لكن الانسحاب لم ينهِ الصراع. فقد استمرت الخلافات بشأن مزارع شبعا والنقاط الحدودية، إلى جانب النزاع حول سلاح الحزب ودوره العسكري.
حرب لبنان عام 2006
في يوليو 2006، اندلعت حرب واسعة بين حزب الله وإسرائيل، بعد عملية عبر الحدود أدت إلى أسر جنديين إسرائيليين، وردت إسرائيل بحملة عسكرية واسعة شملت قصف مناطق مختلفة في لبنان.
استمرت الحرب نحو 34 يومًا، وتسببت في دمار كبير للبنية التحتية اللبنانية، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، ونزوح مئات الآلاف من السكان.
كما أطلقت قوات حزب الله آلاف الصواريخ باتجاه إسرائيل، وتعرضت مناطق شمالية إسرائيلية للقصف.
انتهت الحرب بوقف الأعمال القتالية بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي دعا إلى ترتيبات أمنية في جنوب لبنان، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان.
ورغم توقف الحرب، بقيت القضايا الأساسية دون حل نهائي، وفي مقدمتها السلاح خارج سلطة الدولة، وأمن الحدود، والعلاقة بين لبنان وإسرائيل.
المواجهات بعد أكتوبر 2023
بعد هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 واندلاع الحرب في قطاع غزة، فتح حزب الله جبهة مواجهة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، قائلًا إن تحركاته تأتي دعمًا للفلسطينيين.
وتصاعد تبادل القصف والهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة، وأُجبر سكان من المناطق الحدودية على مغادرة منازلهم على جانبي الحدود.
وفي عام 2024، اتسعت المواجهة بصورة كبيرة، وشنت إسرائيل غارات واسعة على مواقع الحزب في لبنان، كما قُتل عدد من كبار قادته، ومن بينهم الأمين العام حسن نصر الله، الذي قُتل في غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت في سبتمبر 2024.
ثم شهدت المواجهة عمليات برية إسرائيلية في جنوب لبنان، قبل التوصل إلى اتفاق لوقف الأعمال القتالية في نوفمبر 2024.
لكن الهدوء بقي هشًا، واستمرت الخلافات بشأن تنفيذ الترتيبات الأمنية، والوجود العسكري الإسرائيلي في بعض المناطق، وسلاح حزب الله.
خامسًا: ماذا حدث لحزب الله بعد مقتل حسن نصر الله؟
كان حسن نصر الله الشخصية الأبرز في قيادة حزب الله لعقود طويلة، وأسهم في توسيع نفوذه السياسي والعسكري، كما أصبح خطابه أحد أبرز ملامح المواجهة الإعلامية والسياسية مع إسرائيل.
وأدى مقتله في سبتمبر 2024 إلى ضربة كبيرة للحزب، ليس فقط بسبب مكانته القيادية، بل أيضًا لأنه كان يمثل شخصية محورية في إدارة العلاقات الداخلية والإقليمية.
وأظهرت الضربات الإسرائيلية الواسعة خلال عام 2024 قدرة إسرائيل على استهداف قيادات ومواقع عسكرية مهمة داخل الحزب، ما أثار تساؤلات حول حجم الاختراقات الأمنية ومدى قدرة الحزب على إعادة تنظيم صفوفه.
ومع ذلك، فإن مقتل قائد أو عدد من القيادات لا يعني بالضرورة انهيار التنظيم بالكامل؛ فاستمرار الحزب يعتمد أيضًا على بنيته التنظيمية، وقاعدته الاجتماعية، وموارده المالية، وعلاقاته الإقليمية، وقدرته على تعيين قيادات بديلة.
ولهذا، فإن تقييم مستقبل الحزب يتطلب النظر إلى مجموع هذه العوامل، بدلًا من ربطه بشخصية واحدة.
سادسًا: ما القوة العسكرية التي يمتلكها حزب الله؟
على مدى سنوات، طور حزب الله قدراته العسكرية، وأصبح يمتلك ترسانة متنوعة من الأسلحة، تشمل الصواريخ والطائرات المسيرة والأسلحة المضادة للدروع، إلى جانب خبرة قتالية اكتسبها من المواجهات مع إسرائيل ومن مشاركته في الحرب السورية.
وكان الحزب يُعد من أقوى التنظيمات المسلحة غير التابعة لدولة في الشرق الأوسط، وفق تقديرات عدد من مراكز الأبحاث الدولية.
لكن تقييم قدراته الحالية يختلف عن تقييمها قبل حرب 2024، بسبب الخسائر البشرية والقيادية، وتدمير منشآت عسكرية، والضغوط التي تعرضت لها طرق الإمداد وشبكات الاتصالات.
كما أن الأرقام المتداولة بشأن عدد المقاتلين وحجم الترسانة الصاروخية ليست جميعها قابلة للتحقق بصورة مستقلة، ولذلك ينبغي التعامل بحذر مع التقديرات التي تنشرها الأطراف المتحاربة.
وتعتمد قدرة الحزب على الاستمرار عسكريًا على عدة عوامل، أبرزها:
- مدى احتفاظه بمخزون من الأسلحة والصواريخ.
- قدرته على إعادة بناء هياكله القيادية والتنظيمية.
- استمرار الدعم المالي والعسكري الخارجي.
- قدرته على الحفاظ على خطوط الإمداد.
- موقف الدولة اللبنانية والبيئة الاجتماعية المحيطة به.
- حجم الضغوط العسكرية الإسرائيلية والدولية.
ومن المهم التمييز بين القدرة على تنفيذ هجمات محدودة وبين امتلاك القدرة على خوض حرب طويلة وواسعة النطاق.
سابعًا: لماذا يثير سلاح حزب الله خلافًا داخل لبنان؟
يُعد سلاح حزب الله من أكثر القضايا إثارة للجدل في السياسة اللبنانية.
يرى الحزب ومؤيدوه أن الاحتفاظ بالسلاح ضروري لردع إسرائيل، خصوصًا في ظل استمرار النزاعات الحدودية والاعتقاد بأن الجيش اللبناني لا يمتلك وحده الإمكانات العسكرية الكافية لمواجهة إسرائيل.
في المقابل، ترى قوى لبنانية أخرى أن وجود قوة مسلحة خارج السيطرة الكاملة للدولة يضعف سيادة لبنان، ويجعل قرار الحرب والسلم خاضعًا لتوازنات حزبية وإقليمية.
ويثير هذا الوضع أسئلة حول طبيعة الدولة اللبنانية، وحدود سلطة الحكومة، ودور الجيش، وكيفية حماية الحدود دون تعريض البلاد لمواجهات جديدة.
كما أن استمرار الانقسام بشأن السلاح قد يؤدي إلى توترات سياسية داخلية، خصوصًا إذا جرى التعامل مع الملف من خلال إجراءات أحادية أو مواجهات أمنية بدلًا من الحوار والتوافق.
وتكمن صعوبة القضية في أن أي حل دائم يتطلب معالجة المخاوف الأمنية اللبنانية، وتنفيذ الالتزامات الدولية، وضمان حماية السكان في الجنوب، وتعزيز قدرات المؤسسات الرسمية.
ثامنًا: حزب الله والدولة اللبنانية.. حزب سياسي أم قوة موازية؟
لا يقتصر دور حزب الله على الجانب العسكري، إذ يشارك في الانتخابات البرلمانية، ويعمل ضمن التحالفات السياسية، وله حضور في مؤسسات الدولة والحياة العامة.
كما يقدم الحزب خدمات اجتماعية ومساعدات مالية وصحية وتعليمية لبعض الفئات والمناطق، وهو ما ساهم في تعزيز علاقته بقاعدته الشعبية.
لكن هذا الدور يطرح معضلة سياسية: كيف يمكن التوفيق بين مشاركة الحزب في مؤسسات الدولة واحتفاظه بقدرات عسكرية مستقلة عنها؟
يرى منتقدوه أن الجمع بين النفوذ السياسي والسلاح يمنحه قدرة غير متكافئة على التأثير في القرارات الوطنية، بينما يعتبر مؤيدوه أن مشاركته السياسية تعكس تمثيل شريحة من المجتمع اللبناني لا يمكن تجاهلها.
وتتجاوز هذه المسألة الخلاف بين حزب وآخر، لأنها ترتبط بمستقبل النظام السياسي اللبناني، وبقدرة الدولة على فرض القانون، وبكيفية إدارة التنوع الطائفي والسياسي.
ومن هنا، فإن أي تسوية طويلة الأمد تتطلب تفاهمًا داخليًا حول الأمن الوطني، ودور الجيش، ومستقبل السلاح، وآليات المشاركة السياسية.
تاسعًا: ما دور حزب الله في سوريا والمنطقة؟
تجاوز تأثير حزب الله الحدود اللبنانية، خصوصًا بعد اندلاع الحرب السورية عام 2011.
فقد تدخل الحزب عسكريًا إلى جانب نظام بشار الأسد، وشارك في معارك متعددة داخل سوريا، مبررًا تدخله بحماية حلفائه ومنع امتداد الجماعات المسلحة إلى لبنان.
وأدى هذا التدخل إلى توسيع خبرة الحزب القتالية، لكنه تسبب أيضًا في انتقادات واسعة داخل لبنان والعالم العربي، بسبب مشاركة الحزب في حرب خارج حدوده وما ترتب عليها من خسائر بشرية وتوترات سياسية.
كما ارتبط الحزب بعلاقات مع جماعات وقوى أخرى متحالفة مع إيران في المنطقة، الأمر الذي جعله جزءًا من شبكة إقليمية أوسع من التحالفات الأمنية والعسكرية.
ويرى محللون أن هذه الشبكة تمنح طهران أدوات للتأثير في عدة ساحات إقليمية، لكنها تجعل القوى المرتبطة بها عرضة أيضًا لتداعيات الصراعات المتبادلة.
وفي المقابل، فإن مستقبل هذا الدور يتوقف على تغير موازين القوى في المنطقة، والضغوط الاقتصادية والعسكرية، ومواقف الحكومات المحلية، ومدى استمرار الدعم الإيراني.
عاشرًا: ما تأثير حزب الله على الاقتصاد اللبناني؟
لا يمكن فصل الصراع بين حزب الله وإسرائيل عن الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان منذ سنوات.
فقد عانى لبنان من انهيار مالي حاد، وتراجع قيمة العملة المحلية، وضعف الخدمات العامة، وتراجع الثقة في المؤسسات، إلى جانب تداعيات الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت عام 2020.
وجاءت الحروب والتوترات الحدودية لتضيف أعباء جديدة، من خلال تدمير المنازل والمنشآت، وتعطيل النشاط الاقتصادي، وتراجع الاستثمارات والسياحة، ونزوح السكان من مناطقهم.
وتؤدي المواجهات العسكرية إلى زيادة احتياجات إعادة الإعمار، والضغط على ميزانية الدولة، ورفع تكلفة تأمين النقل والتجارة، كما تؤثر في قدرة الأسر على استعادة مصادر دخلها.
وفي أكتوبر 2026، أعلن حزب الله برنامج مساعدات مالية للعائلات التي دُمرت منازلها أو تضررت بشدة خلال الحرب الأخيرة، وفق تقارير صحفية، في خطوة تعكس حجم الاحتياجات الاجتماعية والإنسانية التي خلفتها المواجهات.
لكن المساعدات لا تمثل بديلًا عن إعادة الإعمار الشاملة، ولا تعالج بمفردها المشكلات البنيوية للاقتصاد اللبناني.
وتحتاج البلاد إلى استقرار أمني، وإصلاحات مالية ومؤسسية، ودعم دولي، وبيئة تسمح بعودة النازحين وإعادة تشغيل الأعمال والاستثمارات.
الحادي عشر: كيف تنظر الولايات المتحدة والدول الغربية إلى حزب الله؟
تتعامل الولايات المتحدة مع حزب الله باعتباره منظمة إرهابية، وتفرض عقوبات على أفراد وكيانات وشبكات مالية مرتبطة به، في إطار مساعيها للحد من قدراته العسكرية ومصادر تمويله.
كما تضغط واشنطن، بالتنسيق مع شركاء دوليين، من أجل تعزيز دور الجيش اللبناني وتقليص استقلالية الحزب العسكرية.
وتختلف المواقف الأوروبية في تفاصيلها القانونية؛ فبعض الدول تصنف الحزب بكامله منظمة إرهابية، بينما تميز دول أخرى بين جناحه العسكري ونشاطه السياسي.
وتستند هذه المواقف إلى اتهامات تتعلق بالعنف المسلح، والهجمات على أهداف مدنية وعسكرية، والارتباط بشبكات إقليمية، ومخاطر زعزعة الاستقرار.
في المقابل، يرى الحزب أن هذه الضغوط جزء من سياسة أوسع تستهدفه بسبب موقفه من إسرائيل وعلاقته بإيران.
ويؤثر هذا الخلاف في فرص حصول لبنان على الدعم المالي والعسكري، وفي طبيعة العلاقات بين الحكومة اللبنانية والدول الغربية.
الثاني عشر: ماذا يحدث في لبنان خلال عام 2026؟
دخل ملف حزب الله مرحلة شديدة الحساسية خلال عام 2026، مع تجدد المواجهة العسكرية مع إسرائيل في سياق التصعيد الأوسع المرتبط بإيران.
ووفق تقرير لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي نُشر في أبريل 2026، كان الحزب قد تعرض لإضعاف عسكري كبير خلال المواجهات السابقة، ثم عاد إلى الاشتباك مع إسرائيل عقب اندلاع الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026.
وفي أكتوبر 2026، لا تزال تداعيات الحرب الأخيرة والضغوط المتعلقة بمستقبل سلاح الحزب من أهم الملفات التي تواجه لبنان.
وتبرز في هذا السياق عدة تطورات:
1. مستقبل وقف إطلاق النار: استمرار الخلافات الأمنية والميدانية يجعل أي تهدئة عرضة للانهيار إذا لم تُعالج أسباب المواجهة.
2. تعزيز دور الجيش اللبناني: تتزايد أهمية تمكين الجيش من بسط سلطته على المناطق الحدودية وحماية السكان، في ظل النقاش بشأن مستقبل القوة العسكرية التابعة للحزب.
3. مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان: تقترب مهمة اليونيفيل من مرحلة مفصلية مع اقتراب نهاية عام 2026، وسط نقاش دولي بشأن مستقبل وجودها والترتيبات التي يمكن أن تحل محلها.
4. الضغوط السياسية والاقتصادية: يحتاج لبنان إلى إعادة الإعمار ودعم مؤسساته، لكن استمرار المواجهة والانقسامات الداخلية يعرقلان الوصول إلى تسوية مستقرة.
5. مستقبل العلاقة مع إيران: سيظل الدعم الإيراني عاملًا مهمًا في حسابات الحزب، بينما قد تؤثر التطورات الإقليمية والضغوط الاقتصادية والعسكرية في طبيعة هذا الدعم.
وتوضح هذه الملفات أن أزمة حزب الله لم تعد مسألة عسكرية فقط، بل أصبحت جزءًا من نقاش أوسع بشأن سيادة لبنان، ومستقبل نظامه السياسي، وموقعه في التوازنات الإقليمية.
الثالث عشر: ما السيناريوهات المحتملة لمستقبل حزب الله؟
يمكن تصور عدة سيناريوهات لمستقبل الحزب، مع التأكيد أن هذه السيناريوهات تحليلات سياسية وليست تنبؤات مؤكدة.
السيناريو الأول: التوصل إلى تسوية داخلية
يقوم هذا السيناريو على التوصل إلى تفاهم لبناني بشأن السلاح والدفاع الوطني، مع تعزيز دور الجيش ومؤسسات الدولة، وتقديم ضمانات أمنية للمناطق الحدودية.
وقد يتيح هذا المسار تقليل احتمالات الحرب وفتح الباب أمام إعادة الإعمار، لكنه يحتاج إلى توافق سياسي واسع وضمانات قابلة للتنفيذ.
السيناريو الثاني: استمرار النفوذ السياسي مع تراجع الدور العسكري
قد يحتفظ الحزب بقاعدته الاجتماعية وحضوره السياسي، مع تعرض قدراته العسكرية لمزيد من القيود والضغوط.
ويعتمد هذا السيناريو على نتائج المفاوضات، وموازين القوى الداخلية، ومدى قدرة الدولة على تعزيز مؤسساتها.
السيناريو الثالث: استمرار المواجهة مع إسرائيل
إذا فشلت الجهود الدبلوماسية في معالجة الخلافات الأمنية، فقد تتجدد المواجهات بين الطرفين.
ومن شأن حرب جديدة أن تزيد الأضرار الإنسانية والاقتصادية، وتفاقم أزمة النزوح، وتعرقل إعادة إعمار المناطق المتضررة.
السيناريو الرابع: تصعيد إقليمي يوسع الصراع
قد يؤدي تجدد المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل أو اتساع الصراع الإقليمي إلى زيادة الضغوط على لبنان.
وفي هذه الحالة، قد يجد الحزب نفسه أمام خيارات عسكرية وسياسية أكثر تعقيدًا، بينما تتحمل الدولة اللبنانية والمجتمع المدني جزءًا كبيرًا من التداعيات الإنسانية والاقتصادية.
ويبقى السيناريو الأكثر استقرارًا هو الذي يجمع بين وقف الأعمال القتالية، وحماية المدنيين، وتعزيز سيادة الدولة، ومعالجة المخاوف الأمنية لجميع الأطراف عبر ترتيبات قابلة للتطبيق.
الرابع عشر: هل يستطيع حزب الله استعادة قوته السابقة؟
تعتمد الإجابة عن هذا السؤال على تعريف القوة المقصودة.
فإذا كان المقصود هو القدرة على الاحتفاظ بوجود سياسي واجتماعي داخل لبنان، فإن الحزب يمتلك قاعدة تنظيمية وتاريخًا طويلًا من العمل السياسي والاجتماعي، ما يجعل اختفاءه الكامل من الحياة اللبنانية احتمالًا لا يمكن افتراضه بسهولة.
أما إذا كان المقصود هو استعادة القدرات العسكرية والقيادية نفسها التي امتلكها قبل ضربات عامي 2024 و2026، فإن المسألة أكثر تعقيدًا.
إعادة بناء القدرات العسكرية تتطلب موارد مالية، وإمدادات، وقيادات وخبرات، وشبكات تنظيمية آمنة، إلى جانب بيئة سياسية تسمح بذلك.
كما أن استمرار الضغط الإسرائيلي والدولي، وتغير الأوضاع الإقليمية، والخلافات اللبنانية بشأن السلاح، كلها عوامل قد تعرقل إعادة بناء تلك القدرات.
لذلك، لا يمكن الجزم بأن الحزب سيستعيد قوته السابقة أو أنه فقد قدرته على التأثير نهائيًا. والأرجح أن مستقبله سيتحدد من خلال التفاعل بين الضغوط العسكرية، والواقع الداخلي اللبناني، والعلاقة مع إيران، ونتائج المساعي الدبلوماسية.
خاتمة: حزب الله أمام مفترق طرق تاريخي
يمثل حزب الله واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في الشرق الأوسط، بسبب تداخل دوره العسكري والسياسي والاجتماعي مع الصراع العربي الإسرائيلي، والعلاقة الاستراتيجية مع إيران، والانقسامات الداخلية اللبنانية.
فمن جهة، يستند الحزب إلى تاريخ من المواجهة مع إسرائيل وإلى قاعدة اجتماعية وسياسية داخل لبنان. ومن جهة أخرى، يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالخسائر العسكرية، ومستقبل قيادته، والضغوط لنزع سلاحه، والتداعيات الاقتصادية والإنسانية للحروب.
ولا يمكن اختزال مستقبل لبنان في مصير الحزب وحده، كما لا يمكن تجاهل تأثيره في الأمن الوطني والسياسة الخارجية والاقتصاد.
إن الطريق نحو استقرار طويل الأمد يتطلب وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وتعزيز مؤسسات الدولة، والتوصل إلى ترتيبات أمنية تمنع تجدد المواجهات.
ويبقى السؤال الأهم: هل تتجه المرحلة المقبلة نحو تسوية تعيد للدولة اللبنانية دورها المركزي في الأمن والدفاع، أم يستمر الصراع بما يحمله من مخاطر على لبنان والمنطقة؟
الإجابة ستتوقف على القرارات التي تتخذها الأطراف اللبنانية والإقليمية والدولية خلال الفترة المقبلة، وعلى قدرتها على تحويل التهدئة المؤقتة إلى حل سياسي وأمني أكثر استدامة.

تعليقات
إرسال تعليق