بعد مرور ما يقارب نصف قرن على توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، تعود الاتفاقية التي أنهت حالة الحرب بين القاهرة وتل أبيب إلى واجهة المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط، ولكن هذه المرة من بوابة قطاع غزة ومحور فيلادلفيا والحدود المصرية.
فالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة لم تغيّر فقط موازين القوى داخل القطاع، بل أعادت فتح ملفات أمنية شديدة الحساسية ظلت لعقود محكومة بترتيبات واتفاقيات واضحة، وفي مقدمتها طبيعة الوجود العسكري على الحدود بين مصر وإسرائيل وقطاع غزة.
وتتصاعد التساؤلات بشأن رغبة إسرائيل في إعادة النظر في بعض الترتيبات الأمنية المرتبطة بمعاهدة السلام، ومدى ارتباط هذه المطالب بمحاولة الاحتفاظ بوجود عسكري في محور فيلادلفيا، الذي يمثل نقطة استراتيجية بالغة الأهمية بالنسبة إلى القاهرة.
في المقابل، تنظر مصر إلى المسألة من زاوية تتجاوز أعداد الجنود والأسلحة، إذ ترتبط القضية بسيادة الدولة المصرية على أراضيها، وأمن شبه جزيرة سيناء، ومستقبل قطاع غزة، ورفض أي سيناريو يؤدي إلى تهجير الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا أصبح محور فيلادلفيا نقطة خلاف بهذا الحجم؟ وهل تحاول إسرائيل تحويل نتائج الحرب إلى ترتيبات أمنية جديدة طويلة الأمد؟ وهل تستطيع تل أبيب تعديل اتفاقية كامب ديفيد دون موافقة القاهرة؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من العودة إلى جذور الاتفاقية وفهم التحولات التي طرأت على المنطقة منذ عام 1979.
أولاً: معاهدة كامب ديفيد.. الاتفاق الذي رسم خريطة الأمن في سيناء
في 26 مارس 1979، وقعت مصر وإسرائيل معاهدة السلام في العاصمة الأمريكية واشنطن، بعد مفاوضات سياسية طويلة بدأت عقب حرب أكتوبر 1973 واتفاقيات كامب ديفيد عام 1978.
مثّلت المعاهدة تحولاً تاريخياً في العلاقات بين البلدين، إذ أنهت رسمياً حالة الحرب، وأقرت انسحاب القوات الإسرائيلية من شبه جزيرة سيناء، واستعادة مصر سيادتها على أراضيها.
لكن الاتفاقية لم تقتصر على إنهاء الحرب، بل وضعت نظاماً أمنياً دقيقاً يحدد طبيعة الوجود العسكري في المناطق القريبة من الحدود.
وجرى تقسيم شبه جزيرة سيناء إلى ثلاث مناطق أمنية رئيسية، هي المنطقة (أ) والمنطقة (ب) والمنطقة (ج)، مع تحديد أعداد القوات المسموح بها وأنواع الأسلحة والمعدات العسكرية في كل منطقة.
وفي المقابل، وضعت قيود على الانتشار العسكري الإسرائيلي في المنطقة المقابلة للحدود.
وكان الهدف الأساسي من هذه الترتيبات هو منع حدوث حشد عسكري مفاجئ يمكن أن يعيد الطرفين إلى مواجهة واسعة، مع توفير ضمانات أمنية متبادلة لاستمرار السلام.
وبمرور السنوات، أصبحت هذه الترتيبات جزءاً أساسياً من معادلة الاستقرار على الحدود المصرية الإسرائيلية.
لكن التطورات الأمنية والسياسية التي شهدتها المنطقة، خصوصاً بعد عام 2011 ثم حرب غزة، أعادت طرح سؤال جوهري: هل تستطيع ترتيبات وُضعت قبل نحو نصف قرن التعامل مع واقع إقليمي مختلف تماماً؟
ثانياً: محور فيلادلفيا.. الشريط الحدودي الذي تحول إلى مركز الأزمة
يقع محور فيلادلفيا، المعروف أيضاً باسم محور صلاح الدين، على امتداد الحدود بين قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء المصرية، بالقرب من مدينة رفح.
ويمتد المحور لمسافة تقارب 14 كيلومتراً، ويكتسب أهميته من موقعه الجغرافي الذي يجعله نقطة اتصال مباشرة بين القطاع والأراضي المصرية.
وخلال سنوات طويلة، ارتبط هذا المحور بملفات أمنية معقدة، من بينها الأنفاق الحدودية وعمليات التهريب والرقابة على حركة الأفراد والبضائع.
وفي عام 2005، وبعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، جرى التوصل إلى ترتيبات أمنية خاصة سمحت بنشر قوات مصرية من حرس الحدود على الجانب المصري من المنطقة.
لكن الوضع تغير بصورة كبيرة بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023.
فمع توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية، أصبح محور فيلادلفيا أحد أبرز الأهداف العسكرية الإسرائيلية، قبل أن تعلن إسرائيل السيطرة عليه في مايو 2024.
ومنذ ذلك الوقت، تحول الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة إلى نقطة خلاف رئيسية مع القاهرة.
وتتمثل حساسية المسألة في أن مصر لا تنظر إلى وجود القوات الإسرائيلية على امتداد الحدود باعتباره مجرد إجراء عسكري مؤقت، بل باعتباره تطوراً يرتبط بمستقبل القطاع وترتيبات الأمن على الحدود المصرية.
كما أن استمرار السيطرة الإسرائيلية على المنطقة يثير تساؤلات بشأن مستقبل معبر رفح، وآليات دخول المساعدات الإنسانية، والجهة التي ستتولى إدارة الجانب الفلسطيني من المعبر.
وهكذا لم يعد محور فيلادلفيا مجرد شريط حدودي، بل أصبح إحدى أهم أوراق التفاوض المرتبطة بمستقبل غزة.
ثالثاً: لماذا عادت إسرائيل لفتح ملف الترتيبات الأمنية مع مصر؟
منذ اندلاع الحرب في غزة، أصبحت إسرائيل تتعامل مع الحدود الجنوبية للقطاع باعتبارها جزءاً أساسياً من استراتيجيتها العسكرية والأمنية.
وتقول إسرائيل إن سيطرتها على محور فيلادلفيا ضرورية لمنع تهريب الأسلحة والمعدات العسكرية إلى الفصائل الفلسطينية، وتعتبر أن الانسحاب من المحور دون ترتيبات أمنية بديلة قد يسمح بإعادة بناء القدرات العسكرية داخل القطاع.
لكن هذه الرؤية تصطدم بموقف مصري يرفض استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي على الحدود المصرية الفلسطينية.
وتكمن المشكلة في أن إسرائيل تسعى إلى ضمانات أمنية تتعلق بمستقبل غزة، بينما ترى القاهرة أن هذه الضمانات لا يمكن أن تتحول إلى مبرر لفرض وجود عسكري دائم أو تغيير الوضع القائم على الحدود.
وفي أغسطس 2024، كشفت تقارير صحفية عن أن الخلاف بشأن احتفاظ إسرائيل بقوات في محور فيلادلفيا كان أحد العقبات أمام التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل المحتجزين.
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن المفاوضات شهدت خلافات حول بقاء القوات الإسرائيلية في المحور، في حين رفضت مصر هذا الوجود باعتباره مرتبطاً بأمن حدودها وبالترتيبات القائمة بين البلدين.
وهنا تظهر نقطة جوهرية: إسرائيل تريد ترتيبات تمنحها القدرة على مراقبة الحدود ومنع إعادة تسليح الفصائل الفلسطينية، بينما تتمسك مصر بضرورة إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة.
وبذلك أصبحت الأزمة مرتبطة بسؤال أكبر من مجرد انتشار القوات: من يملك حق تحديد شكل الأمن على حدود مصر وقطاع غزة بعد الحرب؟
رابعاً: المطلب الإسرائيلي المثير للجدل.. هل تريد تل أبيب تقنين وجودها في محور فيلادلفيا؟
تتحدث تقارير وتحليلات سياسية عن رغبة إسرائيلية في إعادة النظر في الترتيبات الأمنية القائمة مع مصر، بما يتناسب مع المتغيرات التي فرضتها الحرب على قطاع غزة.
وتتمثل إحدى القراءات المطروحة في أن إسرائيل قد تسعى إلى الحصول على ترتيبات جديدة تسمح لها بالاحتفاظ بقدرة عسكرية وأمنية مستمرة في محور فيلادلفيا، أو إيجاد صيغة تضمن لها مراقبة المنطقة بعد انتهاء العمليات العسكرية.
لكن من الضروري التمييز بين ثلاثة أمور:
- المطالب الأمنية الإسرائيلية المتعلقة بمنع تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة.
- طلب مراجعة الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في معاهدة السلام.
- محاولة الحصول على موافقة مصرية تسمح باستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في محور فيلادلفيا.
هذه المسائل ليست متطابقة، ولا يجوز اعتبارها مطلباً رسمياً واحداً دون وجود وثيقة تثبت ذلك.
وحتى الآن، لا يوجد في المعلومات الرسمية المنشورة ما يثبت وجود طلب إسرائيلي معلن بصيغة قانونية محددة تمنح إسرائيل حقاً دائماً في الوجود العسكري داخل محور فيلادلفيا بموافقة مصرية.
لكن المؤكد أن ملف المحور كان محور خلاف حقيقي خلال مفاوضات وقف إطلاق النار، وأن القاهرة أعلنت رفضها الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة.
وقد أكدت مصر في تصريحات رسمية رفضها استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في محور فيلادلفيا والجانب الفلسطيني من معبر رفح، مشيرة إلى ارتباط ذلك بأمن الحدود ومستقبل إدارة القطاع.
وهنا تكمن أهمية القضية؛ لأن تحويل وجود عسكري نشأ خلال الحرب إلى وضع مستمر يحتاج إلى تفاهمات سياسية وقانونية، ولا يمكن افتراض أن السيطرة العسكرية وحدها تمنح شرعية دائمة لهذا الوجود.
خامساً: المادة الرابعة من معاهدة السلام.. هل تستطيع إسرائيل تعديل كامب ديفيد؟
من أهم النقاط التي يجب فهمها في الأزمة الحالية المادة الرابعة من معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.
فهذه المادة تتناول الترتيبات الأمنية المتفق عليها بين البلدين، وتسمح بمراجعتها وتعديلها بناءً على طلب أي من الطرفين.
لكنها تضع شرطاً أساسياً لا يمكن تجاوزه، وهو موافقة الطرفين معاً.
وتنص الفقرة الرابعة من المادة على أن الترتيبات الأمنية الواردة في الفقرتين الأولى والثانية يمكن مراجعتها وتعديلها بناءً على طلب أي طرف، وذلك بموافقة الطرفين المتبادلة.
وهذا يعني أن إسرائيل تستطيع طلب مراجعة الترتيبات الأمنية، لكن الطلب لا يعني الموافقة التلقائية عليه.
كما أن مصر تستطيع من الناحية القانونية رفض أي تعديل لا يتوافق مع مصالحها الأمنية أو السياسية.
وهنا تظهر أهمية المادة الرابعة في الأزمة الحالية؛ فهي تمنع التعامل مع الترتيبات الأمنية باعتبارها أمراً يمكن لطرف واحد تغييره بإرادته المنفردة.
وبالتالي، فإن أي اتفاق جديد بشأن محور فيلادلفيا أو انتشار القوات على الحدود يحتاج إلى تفاهم مصري إسرائيلي واضح.
والفرق كبير بين طلب تعديل الاتفاقية وامتلاك الحق في فرض التعديل.
فالأول حق منصوص عليه في المعاهدة، أما الثاني فلا تمنحه الاتفاقية لأي طرف.
سادساً: هل سبق لمصر وإسرائيل تعديل الترتيبات الأمنية؟ ماذا حدث في 2005 و2011 و2021؟
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الترتيبات الأمنية لمعاهدة كامب ديفيد لم تتغير منذ توقيعها عام 1979.
فقد شهدت الحدود المصرية الإسرائيلية خلال العقود الماضية تفاهمات أمنية وتعديلات سمحت بالتعامل مع ظروف جديدة، لكن يجب التمييز بين الترتيبات الإضافية والتعديل الرسمي للاتفاقية.
1. عام 2005.. اتفاق نشر 750 فرداً من حرس الحدود المصري
بعد قرار إسرائيل الانسحاب من قطاع غزة عام 2005، ظهرت الحاجة إلى وضع ترتيبات جديدة لتأمين الحدود بين مصر والقطاع.
وبعد مفاوضات بين القاهرة وتل أبيب، تم التوصل إلى اتفاق سمح بنشر 750 فرداً من قوات حرس الحدود المصرية على الجانب المصري من الحدود.
وكانت مهمة هذه القوات مراقبة الحدود ومنع عمليات التسلل وتهريب الأسلحة والممنوعات.
وجرى توقيع ترتيبات خاصة في سبتمبر 2005، عُرفت بترتيبات نشر قوة محددة من حرس الحدود في منطقة رفح.
وكانت هذه الترتيبات خاضعة لمعاهدة السلام لعام 1979، ولم تمثل إلغاءً للمعاهدة أو تغييراً شاملاً لبنودها.
2. بعد عام 2011.. التوسع في الإجراءات الأمنية بسيناء
مع تدهور الأوضاع الأمنية في شمال سيناء بعد عام 2011، واجهت مصر تحديات متزايدة نتيجة انتشار الجماعات المسلحة وارتفاع وتيرة العمليات الإرهابية.
وأصبحت هناك حاجة إلى زيادة انتشار القوات الأمنية والعسكرية في مناطق مختلفة من سيناء، بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الجديدة.
وفي هذا السياق، جرت تفاهمات وتنسيقات أمنية بين القاهرة وتل أبيب سمحت بزيادة الوجود العسكري المصري في مناطق محددة، وفقاً للاحتياجات الأمنية والآليات المتفق عليها بين الطرفين.
وكان الهدف من هذه الترتيبات تمكين مصر من مواجهة التهديدات الأمنية وتأمين حدودها، دون تحويل كل تحرك عسكري إلى أزمة سياسية جديدة.
3. عام 2021.. تعديل أمني معلن في منطقة رفح
تُعد محطة نوفمبر 2021 من أبرز المحطات المعلنة في تاريخ التعديلات الأمنية المرتبطة بمعاهدة السلام.
ففي 8 نوفمبر 2021، أعلنت القوات المسلحة المصرية نجاح اللجنة العسكرية المشتركة مع الجانب الإسرائيلي في تعديل الاتفاق الأمني، بما يسمح بزيادة عدد قوات حرس الحدود المصرية وإمكاناتها في منطقة رفح.
وأكد المتحدث العسكري المصري أن الخطوة تأتي في إطار جهود تأمين الحدود الشمالية الشرقية ومواجهة المتغيرات الأمنية.
وهذه المحطة توضح أن الترتيبات الأمنية ليست جامدة، وأن تعديلها ممكن عندما تتوافر الإرادة المشتركة والاتفاق بين الطرفين.
لكنها تكشف أيضاً عن اختلاف جوهري بين تعديل يسمح لمصر بتعزيز وجود قواتها لحماية حدودها، وبين أي ترتيب قد يسمح لإسرائيل بالاحتفاظ بقواتها داخل محور فيلادلفيا بعد انتهاء الحرب.
فالمسألة الثانية ترتبط بمستقبل السيطرة العسكرية الإسرائيلية على جزء من الحدود الفلسطينية المصرية، وهي قضية أكثر تعقيداً من مجرد زيادة عدد حرس الحدود.
سابعاً: لماذا ترفض مصر أي ترتيبات قد تسمح ببقاء القوات الإسرائيلية في محور فيلادلفيا؟
لا يمكن فهم الموقف المصري من الأزمة الحالية دون النظر إلى طبيعة الأمن القومي المصري والارتباط الجغرافي والسياسي بين سيناء وقطاع غزة.
فالقاهرة تتعامل مع الحدود الشرقية باعتبارها منطقة استراتيجية لا يمكن فصلها عن أمن الدولة واستقرارها.
وهناك عدة أسباب تفسر حساسية الموقف المصري.
1. الحفاظ على السيادة المصرية وأمن الحدود
ترفض مصر أي ترتيبات قد تؤدي إلى فرض واقع عسكري جديد على حدودها دون موافقتها.
فوجود القوات الإسرائيلية في محور فيلادلفيا يثير تساؤلات تتعلق بمستقبل الترتيبات الأمنية، ومدى احترام الاتفاقات القائمة، وطبيعة السيطرة العسكرية على المناطق الحدودية.
2. منع تهجير الفلسطينيين إلى سيناء
يمثل رفض تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى الأراضي المصرية أحد أبرز الثوابت المعلنة في السياسة المصرية تجاه الحرب.
وتخشى القاهرة من أن يؤدي استمرار الحرب وتدمير البنية التحتية في القطاع، إلى جانب القيود على حركة السكان، إلى خلق ظروف تدفع الفلسطينيين نحو الحدود المصرية.
وترى مصر أن انتقال أعداد كبيرة من سكان غزة إلى سيناء لن يكون مجرد أزمة إنسانية مؤقتة، بل قد يترتب عليه تغيير ديموغرافي وسياسي وأمني بالغ الخطورة.
كما أن القاهرة تؤكد أن معالجة القضية الفلسطينية يجب أن تتم من خلال الحفاظ على حقوق الفلسطينيين وإقامة دولتهم، وليس عبر نقل سكان القطاع إلى دول أخرى.
3. رفض تحويل نتائج الحرب إلى واقع دائم
من وجهة النظر المصرية، لا ينبغي أن تتحول السيطرة العسكرية التي تحققت خلال الحرب إلى ترتيبات دائمة تفرض نفسها على مستقبل القطاع.
فإذا جرى قبول بقاء القوات الإسرائيلية في محور فيلادلفيا باعتباره أمراً واقعاً، فقد يصبح ذلك أساساً لمطالب وترتيبات جديدة تتجاوز حدود الملف الأمني.
4. مستقبل معبر رفح
يمثل معبر رفح شرياناً أساسياً لحركة الأشخاص والمساعدات الإنسانية بين قطاع غزة ومصر.
ولذلك فإن السيطرة على الجانب الفلسطيني من المعبر، وطبيعة الجهة التي تتولى إدارته، تمثلان جزءاً مهماً من الخلاف السياسي والأمني.
وتتمسك القاهرة بضرورة وجود ترتيبات تضمن تشغيل المعبر وعدم استخدامه أداة للضغط على الفلسطينيين أو دفعهم إلى مغادرة القطاع.
ثامناً: هل تستطيع إسرائيل فرض واقع جديد على الحدود المصرية؟
تطرح الأزمة الحالية سؤالاً مهماً بشأن قدرة إسرائيل على تحويل نتائج العمليات العسكرية إلى ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد.
فمن الناحية العسكرية، تستطيع أي قوة فرض سيطرة ميدانية خلال الحرب، لكن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة اكتساب حق قانوني دائم في الاحتفاظ بالمناطق التي تسيطر عليها.
وهنا تظهر أهمية الاتفاقيات الدولية والالتزامات المتبادلة.
فمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية لم تمنح أي طرف حق تعديل الترتيبات الأمنية بصورة منفردة، كما أن المادة الرابعة تشترط موافقة الطرفين على أي مراجعة أو تعديل.
وبالتالي، فإن استمرار أي وضع عسكري جديد على الحدود يظل مرتبطاً بمسارات سياسية وقانونية وتفاهمات دولية.
كما أن مصر تمتلك مجموعة من الأوراق الدبلوماسية والسياسية، من بينها دورها في الوساطة بشأن وقف إطلاق النار، واتفاقيات تبادل المحتجزين، وإدخال المساعدات الإنسانية، فضلاً عن علاقاتها الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، تسعى إسرائيل إلى ضمان ترتيبات أمنية تمنع تكرار الهجمات التي تعرضت لها في أكتوبر 2023.
وبين الموقفين، تظل القضية مرتبطة بمدى قدرة المفاوضات على الوصول إلى صيغة تحقق المتطلبات الأمنية دون المساس بسيادة الدول أو فرض ترتيبات دائمة على مستقبل الفلسطينيين.
تاسعاً: ماذا تريد مصر في المقابل إذا فُتح ملف كامب ديفيد؟
إذا عادت الترتيبات الأمنية إلى طاولة المفاوضات، فمن الطبيعي أن يصبح الملف أكبر من مجرد مناقشة أعداد القوات ونوعية الأسلحة.
فالقاهرة تنظر إلى مستقبل قطاع غزة باعتباره جزءاً أساسياً من أي تفاهم أمني جديد.
وهناك مجموعة من الملفات التي ترتبط بالموقف المصري:
- إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في محور فيلادلفيا وفق ترتيبات متفق عليها.
- ضمان عدم تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء.
- إعادة تشغيل معبر رفح بصورة تضمن حركة الأشخاص والمساعدات الإنسانية.
- وضع ترتيبات واضحة لإدارة الحدود ومنع التصعيد العسكري.
- ضمان عدم استخدام الترتيبات الأمنية الجديدة لتغيير الوضع السياسي والجغرافي للقطاع.
- الوصول إلى تسوية تضمن للفلسطينيين حقوقهم ومستقبلهم السياسي.
وهنا يمكن فهم سبب ارتباط القاهرة بين أي نقاش أمني حول الحدود وبين مستقبل غزة بالكامل.
فالمسألة من وجهة النظر المصرية لا تتعلق فقط بموقع القوات الإسرائيلية، وإنما بما قد يترتب على وجودها من نتائج سياسية وأمنية على المدى الطويل.
عاشراً: هل نحن أمام بداية انهيار معاهدة كامب ديفيد؟
رغم تصاعد الخلافات بين مصر وإسرائيل بشأن الحرب على غزة ومحور فيلادلفيا، فإن وصف الأزمة بأنها انهيار وشيك لمعاهدة السلام يحتاج إلى الحذر.
فالمعاهدة ما زالت الإطار القانوني الذي ينظم العلاقات الرسمية بين البلدين، كما أن وجود خلافات حادة حول بعض الملفات لا يعني بالضرورة انتهاء الاتفاقية.
لكن استمرار الخلافات بشأن الحدود والوجود العسكري الإسرائيلي في غزة قد يضع العلاقات الثنائية أمام مرحلة أكثر تعقيداً.
وتكمن الخطورة في أن تتحول الخلافات الأمنية إلى أزمة سياسية ممتدة تؤثر على التنسيق العسكري والدبلوماسي، خصوصاً إذا استمر غياب التفاهم بشأن مستقبل القطاع.
كما أن أي محاولة لتغيير الترتيبات القائمة دون اتفاق مشترك قد تؤدي إلى تصعيد التوتر وإضعاف الثقة المتبادلة.
ومن هنا، فإن مستقبل المعاهدة لا يرتبط فقط بنصوصها القانونية، بل أيضاً بمدى التزام الطرفين بالتفاهمات التي قامت عليها.
الخاتمة: كامب ديفيد بين معادلة السلام وتحديات ما بعد حرب غزة
بعد نحو 47 عاماً على توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، تعود الترتيبات الأمنية التي وضعت عام 1979 إلى واجهة الأحداث، لكن في ظروف مختلفة تماماً عن الظروف التي شهدتها المنطقة عند توقيع الاتفاقية.
ففي الماضي، كان الهدف الأساسي هو منع اندلاع حرب جديدة بين مصر وإسرائيل، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء وترسيخ السلام بين البلدين.
أما اليوم، فقد أصبح قطاع غزة ومحور فيلادلفيا ومعبر رفح من أهم الملفات التي تحدد طبيعة العلاقة بين القاهرة وتل أبيب.
إسرائيل تسعى إلى ضمان مصالحها الأمنية ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية، بينما تتمسك مصر برفض الوجود العسكري الإسرائيلي على حدودها، وترفض أي سيناريو يؤدي إلى تهجير الفلسطينيين أو فرض واقع جغرافي وسياسي جديد في المنطقة.
وتبقى المادة الرابعة من معاهدة السلام نقطة محورية في هذا الصراع، لأنها تسمح بمراجعة الترتيبات الأمنية، لكنها تشترط موافقة الطرفين.
وبالتالي، فإن إسرائيل تستطيع المطالبة بالتعديل، لكنها لا تستطيع فرضه بإرادتها المنفردة.
فهل تنجح المفاوضات في الوصول إلى ترتيبات أمنية جديدة تحافظ على معاهدة السلام وتضمن أمن الحدود المصرية، أم يتحول محور فيلادلفيا إلى نقطة خلاف طويلة الأمد تعيد رسم طبيعة العلاقات بين القاهرة وتل أبيب؟
هذا السؤال سيظل مرتبطاً بمستقبل قطاع غزة، وطبيعة الوجود العسكري الإسرائيلي فيه، ومدى استعداد الأطراف للوصول إلى تسوية سياسية تتجاوز حسابات الحرب.

تعليقات
إرسال تعليق