تعود مدينة عدن إلى واجهة المشهد العسكري في اليمن، مع تصاعد المواجهات في المناطق الجبلية شمال محافظة لحج، واقتراب خطوط الاشتباك من الممرات الاستراتيجية المؤدية إلى العاصمة الجنوبية المؤقتة. وتثير التطورات الميدانية في مديرية المقاطرة ومنطقة طور الباحة تساؤلات كبيرة حول مستقبل المواجهة، خصوصاً مع الحديث عن وصول قوات الحوثيين إلى مواقع تبعد نحو 80 كيلومتراً عن عدن.
ولا تكمن خطورة التطورات في المسافة الجغرافية وحدها، بل في طبيعة المناطق التي تدور فيها المعارك، وأهميتها العسكرية بالنسبة إلى الطرق التي تربط تعز بلحج وعدن، فضلاً عن ارتباطها بجبهات الساحل الغربي ومضيق باب المندب.
وفي مقدمة القوى التي قد تجد نفسها أمام اختبار عسكري جديد، تبرز ألوية العمالقة الجنوبية، التي لعبت دوراً بارزاً في مواجهات سابقة ضد الحوثيين، خصوصاً خلال معارك تحرير عدن والساحل الغربي وشبوة.
لكن السؤال الأهم هو: هل يستطيع الحوثيون تحويل تقدمهم في المرتفعات الجبلية إلى تهديد مباشر لعدن؟ وهل تتكرر أحداث عام 2015، أم أن الجنوب يمتلك اليوم من الخبرة العسكرية ما يكفي لإيقاف أي محاولة تقدم جديدة؟
أولاً: لماذا تمثل مسافة 80 كيلومتراً تهديداً استراتيجياً لعدن؟
تكتسب المسافة التي تفصل مناطق الاشتباك عن عدن أهمية كبيرة بسبب طبيعة التضاريس الجغرافية في محافظة لحج والمناطق المحيطة بها.
فالمحاور الشمالية المؤدية إلى عدن تمر عبر مناطق جبلية ووديان وطرق ضيقة، وهو ما يجعل السيطرة على المرتفعات المحيطة بها عاملاً حاسماً في أي مواجهة عسكرية.
وتُعد مناطق المقاطرة وطور الباحة من المواقع المهمة في هذه المعادلة، نظراً لإشراف بعض مرتفعاتها على طرق الحركة والإمداد بين تعز وعدن.
ومن الناحية العسكرية، فإن السيطرة على المرتفعات تمنح القوات المهاجمة عدة مزايا، أبرزها:
- مراقبة تحركات القوات المدافعة على الطرق الرئيسية.
- تهديد خطوط الإمداد والتحرك بين المحافظات.
- استخدام المواقع المرتفعة في عمليات القصف والاستطلاع.
- إجبار القوات المقابلة على توزيع وحداتها على جبهات متعددة.
- الضغط على المناطق السهلية التي تشكل الممرات الطبيعية باتجاه عدن.
لكن الوصول إلى مرتفعات قريبة من عدن لا يعني بالضرورة القدرة على دخول المدينة، فهناك فارق كبير بين السيطرة على موقع جبلي وبين تنفيذ عملية عسكرية واسعة في مناطق مكشوفة ومحصنة.
وهنا تظهر أهمية القوة الجوية والدفاعات الأرضية وطبيعة الانتشار العسكري للقوات الجنوبية والحكومية.
ثانياً: المقاطرة وجبل إرف.. معركة السيطرة على المرتفعات
تُعد مديرية المقاطرة، الواقعة شمال محافظة لحج، واحدة من المناطق التي تحمل أهمية استراتيجية في الصراع الدائر بين القوات الحوثية والقوات المناهضة لها.
وتنبع أهميتها من موقعها الجغرافي المرتبط بالممرات التي تصل تعز بمناطق جنوب اليمن، إضافة إلى طبيعتها الجبلية التي تجعل السيطرة على مرتفعاتها مؤثرة في حركة القوات والإمدادات.
وبحسب الرواية الميدانية الواردة في المادة الأصلية، شهدت المنطقة هجوماً واسعاً استمر عدة أيام، وسط تقارير عن سقوط مواقع في المديرية وانتقال المواجهات إلى مناطق أكثر حساسية بالقرب من طور الباحة.
جبل إرف.. نقطة الصراع الأكثر حساسية
برز اسم جبل إرف باعتباره أحد المواقع الاستراتيجية المهمة في منطقة طور الباحة، حيث تتيح المرتفعات المحيطة به مراقبة مساحات واسعة من المنطقة.
وتشير الرواية إلى أن الجبل شهد تبادلاً للسيطرة بين القوات الحوثية والقوات الجنوبية والحكومية، قبل إعلان الأخيرة استعادته.
ومع استمرار الحديث عن المواجهات في سفوح الجبل، تبقى السيطرة الفعلية عليه وتطورات خطوط التماس من المسائل التي تحتاج إلى تأكيد ميداني مستقل.
وتكمن أهمية هذا الموقع في أن خسارة المرتفعات لا تعني مجرد فقدان أرض، بل قد تعني فقدان القدرة على مراقبة الطرق والتحكم في بعض مسارات الحركة العسكرية.
ولهذا السبب، تتحول المعارك الجبلية عادة إلى مواجهات استنزاف طويلة، تتداخل فيها المدفعية والطائرات المسيرة وعمليات الاستطلاع مع الاشتباكات البرية.
ثالثاً: طور الباحة.. البوابة الجغرافية نحو عدن
تمثل منطقة طور الباحة إحدى النقاط المهمة في الخريطة العسكرية لمحافظة لحج، نظراً لموقعها الذي يربط المناطق الجبلية بالممرات الساحلية المؤدية إلى عدن.
وأي تقدم عسكري باتجاه هذه المنطقة قد يفرض تحديات على القوات المدافعة، خصوصاً إذا ترافق مع تهديد طرق الإمداد أو فتح جبهات متزامنة في مناطق أخرى.
كما أن اقتراب الاشتباكات من المناطق السكانية يرفع من احتمالات وقوع خسائر بين المدنيين، ويزيد من صعوبة العمليات العسكرية بسبب تداخل التجمعات السكانية مع خطوط الحركة.
وتحدثت المادة الأصلية عن سقوط صواريخ باليستية في سوق طور الباحة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، وهي معلومات تستدعي التحقق من مصادر مستقلة قبل التعامل معها بوصفها حصيلة نهائية مؤكدة.
وتكشف مثل هذه التطورات عن خطورة انتقال المواجهة من المواقع العسكرية المرتفعة إلى المناطق المدنية، حيث يصبح السكان أول المتضررين من استمرار التصعيد.
رابعاً: خمسة سيناريوهات محتملة لمستقبل المعركة
في ظل أهمية جبهات لحج وتعز والساحل الغربي، يمكن تصور خمسة سيناريوهات رئيسية لمسار المواجهة، تختلف في احتمالاتها وتأثيراتها على مستقبل عدن والجنوب اليمني.
السيناريو الأول: حرب استنزاف طويلة في جبال لحج
يُعد استمرار المواجهات في المرتفعات الجبلية أحد السيناريوهات المحتملة، حيث تحاول القوات الحوثية الاحتفاظ بالمواقع المرتفعة، بينما تسعى القوات الجنوبية والحكومية إلى منع تحولها إلى نقاط انطلاق لعمليات تقدم جديدة.
وفي هذا السيناريو، قد لا تكون السيطرة على المدن هي الهدف المباشر، بل إنهاك القوات المقابلة واستنزاف قدراتها العسكرية واللوجستية.
وتتميز الحروب الجبلية بصعوبة الحسم السريع، خصوصاً عندما تكون الطرق محدودة والتحركات العسكرية مكشوفة للمراقبة.
كما أن استمرار القتال في هذه المناطق قد يؤدي إلى تعطيل حركة التجارة والنقل، وزيادة الضغوط الإنسانية على السكان.
السيناريو الثاني: اختراق باتجاه قاعدة العند
تُعد قاعدة العند الجوية من أهم المنشآت العسكرية في جنوب اليمن، وتتمتع بموقع استراتيجي في محافظة لحج.
وتكتسب القاعدة أهميتها من موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية والبنية التحتية المرتبطة بها، فضلاً عن قربها النسبي من عدن.
وأي تهديد مباشر للعند قد يغير الحسابات العسكرية في جنوب اليمن، لأنه يضع واحدة من أبرز المنشآت العسكرية أمام احتمالات الاستهداف أو تعطيل دورها.
لكن من المهم التمييز بين التهديد الجغرافي للقاعدة وبين القدرة الفعلية على الوصول إليها والسيطرة عليها؛ فذلك يتطلب تطورات ميدانية كبيرة لا يمكن استنتاجها من مجرد التقدم في المرتفعات.
وقد يكون التأثير الأوسع لأي تصعيد في هذا المحور مرتبطاً بمحاولة الضغط على جبهات تعز وإرباك خطوط الإمداد بين الشمال والجنوب.
السيناريو الثالث: هجوم مضاد للقوات الجنوبية
قد تلجأ القوات الجنوبية والحكومية إلى محاولة استعادة المواقع التي خسرتها، بهدف إعادة تثبيت خطوط الدفاع ومنع توسع التهديد باتجاه طور الباحة.
ويواجه هذا الخيار تحديات عسكرية وسياسية، أبرزها الحاجة إلى تنسيق القوات المشاركة، وتوفير الإمدادات، والحفاظ على التوازن بين جبهات لحج وتعز وباب المندب والساحل الغربي.
كما أن فتح هجوم واسع في جبهة واحدة قد يؤدي إلى إضعاف جبهات أخرى، وهو ما يجعل توزيع القوات أحد أهم العوامل الحاسمة في هذه المواجهة.
السيناريو الرابع: انتقال المواجهة إلى أطراف عدن
يُعد هذا السيناريو من أكثر الاحتمالات خطورة، رغم أنه يحتاج إلى تغيرات ميدانية كبيرة حتى يتحول إلى واقع.
فالوصول إلى أطراف عدن يتطلب تجاوز مناطق جبلية وسهلية، والتعامل مع خطوط دفاع متعددة، فضلاً عن مواجهة تحديات الإمداد والتحرك في المناطق المكشوفة.
كما أن أي محاولة تقدم واسعة ستضع القوات المهاجمة أمام احتمالات الاستهداف الجوي والمدفعي.
وتتمتع عدن بأهمية استراتيجية كبيرة، ليس فقط باعتبارها مدينة ساحلية، وإنما لكونها مركزاً سياسياً واقتصادياً وميناءً حيوياً في جنوب اليمن.
ولذلك فإن أي تهديد مباشر لها قد يؤدي إلى تصعيد واسع يتجاوز حدود محافظة لحج.
السيناريو الخامس: تسوية سياسية إقليمية تجمد الجبهات
لا يمكن استبعاد العامل السياسي من حسابات الحرب اليمنية، خصوصاً أن الصراع يرتبط بتوازنات إقليمية ودولية تتداخل فيها مصالح أطراف عديدة.
وقد يؤدي أي تفاهم إقليمي أو اتفاق بين القوى الدولية والإقليمية إلى تجميد بعض الجبهات، حتى دون التوصل إلى تسوية شاملة للأزمة اليمنية.
وفي هذه الحالة، قد تتحول خطوط الاشتباك الحالية إلى واقع مؤقت، مع استمرار الخلافات السياسية والعسكرية بين الأطراف اليمنية.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن مستقبل المناطق المتنازع عليها قد يتأثر بتفاهمات خارجية لا تعكس بالضرورة جميع مطالب القوى المحلية.
خامساً: ألوية العمالقة.. القوة التي تقف في مقدمة المواجهة
تحتل ألوية العمالقة الجنوبية مكانة مهمة في المشهد العسكري اليمني، بعد مشاركتها في عدد من أبرز المعارك ضد الحوثيين خلال السنوات الماضية.
وقد اكتسبت هذه القوات خبرة ميدانية من مشاركتها في معارك عدن والساحل الغربي وشبوة، وأصبحت من أبرز التشكيلات العسكرية الجنوبية التي يُعوّل عليها في مواجهة أي تقدم حوثي باتجاه مناطق الجنوب.
وتكمن أهمية ألوية العمالقة في قدرتها على التحرك ضمن تشكيلات عسكرية منظمة، إلى جانب خبرتها في القتال بمناطق مختلفة التضاريس.
لكن مواجهة الحوثيين في جبهات لحج لا تتعلق بالقوة العسكرية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى تنسيق سياسي وعسكري بين مختلف التشكيلات المناهضة للحوثيين.
فالتحدي الأكبر يتمثل في منع تشتت القوات بين الجبهات، والحفاظ على خطوط الدفاع، وتوفير الإمدادات اللازمة لاستمرار المواجهة.
كما أن نقل وحدات عسكرية من الساحل الغربي إلى لحج، إذا تأكد، يعكس حجم الحساسية التي تحظى بها هذه الجبهة في الحسابات العسكرية.
سادساً: باب المندب والساحل الغربي.. المعركة التي تتجاوز حدود عدن
لا يمكن قراءة التطورات في لحج بمعزل عن أهمية الساحل الغربي ومضيق باب المندب.
فهذا المضيق يمثل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتعبر من خلاله حركة تجارية وبحرية دولية مهمة.
وتمنح السيطرة على المناطق الساحلية القريبة منه أهمية استراتيجية كبيرة لأي طرف يسعى إلى تعزيز نفوذه العسكري والسياسي.
ومن هنا، فإن فتح جبهة جديدة في لحج قد يؤدي إلى تشتيت القوات المناهضة للحوثيين، خصوصاً إذا تزامن مع تصعيد على الساحل الغربي أو في محيط تعز.
وتبرز ثلاثة تحديات رئيسية أمام القوات الجنوبية والحكومية:
- حماية الممرات البرية المؤدية إلى عدن.
- منع حدوث فراغ عسكري في جبهة باب المندب.
- الحفاظ على التوازن بين القوات المنتشرة في الساحل الغربي ومحافظة لحج.
أما بالنسبة إلى الحوثيين، فإن تعدد الجبهات قد يوفر فرصة لممارسة الضغط على أكثر من محور، وإجبار خصومهم على توزيع قدراتهم العسكرية.
لكن توسيع رقعة المواجهة يحمل مخاطر كبيرة أيضاً، إذ قد يؤدي إلى استنزاف الموارد وارتفاع الكلفة العسكرية والإنسانية.
سابعاً: تعز في قلب المعادلة العسكرية
تحتل محافظة تعز موقعاً محورياً في الصراع اليمني، فهي من أكبر التجمعات السكانية في البلاد، كما تمثل نقطة اتصال جغرافية مهمة بين شمال اليمن وجنوبه.
ولذلك فإن أي تغير في خطوط المواجهة شمال لحج قد ينعكس على الوضع العسكري والإنساني في تعز.
وتكمن أهمية المحور في أن الضغط على الطرق والممرات المحيطة بالمحافظة قد يزيد من صعوبة حركة المدنيين والبضائع والإمدادات الإنسانية.
كما أن استمرار الحصار أو تعطل الطرق الحيوية يفاقم معاناة السكان، الذين يعانون أصلاً من تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمات الأساسية.
ومن الناحية الاستراتيجية، قد تكون تعز إحدى أهم الأوراق في أي تصعيد جديد، لأن الضغط عليها لا يؤثر في المحافظة وحدها، بل يمتد تأثيره إلى خطوط الاتصال بين عدة مناطق يمنية.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن التعامل مع معركة المقاطرة وطور الباحة باعتبارها اشتباكات محلية محدودة، بل ينبغي قراءتها ضمن شبكة أوسع من المصالح العسكرية والجغرافية.
ثامناً: عدن في التاريخ العسكري.. من الاحتلال البريطاني إلى معارك 2015
تتمتع عدن بتاريخ طويل من الصراعات والتحولات السياسية والعسكرية، وهو تاريخ يجعل أي تهديد جديد للمدينة محملاً بدلالات تتجاوز حدود المعركة الحالية.
فمدينة عدن لم تكن مجرد مدينة ساحلية، بل كانت دائماً مركزاً استراتيجياً تتنافس عليه القوى المحلية والإقليمية بسبب موقعها الجغرافي ومينائها الحيوي.
عام 1839.. بداية الاحتلال البريطاني
في التاسع عشر من يناير عام 1839، احتلت بريطانيا مدينة عدن، وحولتها تدريجياً إلى قاعدة بحرية وتجارية مهمة ضمن شبكة نفوذها الإمبراطوري.
واستمر الوجود البريطاني حتى إعلان استقلال جنوب اليمن في الثلاثين من نوفمبر عام 1967.
وخلال تلك الفترة، اكتسبت عدن أهمية دولية بسبب موقعها على طرق الملاحة البحرية بين أوروبا وآسيا.
يناير 1986.. الصراع الداخلي في الجنوب
شهد جنوب اليمن في يناير 1986 واحدة من أكثر المحطات الدموية في تاريخه الحديث، عندما اندلعت مواجهات مسلحة داخل الحزب الاشتراكي الحاكم.
وتركت تلك الأحداث آثاراً سياسية وعسكرية عميقة، وأدت إلى انقسامات داخل المؤسسات والقوى العسكرية الجنوبية.
ولا يزال هذا الحدث حاضراً في النقاشات السياسية عند تحليل أسباب ضعف الجبهة الداخلية الجنوبية خلال المراحل اللاحقة.
عام 1994.. سقوط عدن
اندلعت الحرب الأهلية اليمنية في مايو 1994 بين القوات الموالية للوحدة اليمنية بقيادة الرئيس علي عبدالله صالح، والقوات المعلنة لدولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
وبعد نحو شهرين من القتال، دخلت القوات الشمالية مدينة عدن في السابع من يوليو 1994.
وكانت الانقسامات السياسية والعسكرية داخل المعسكر الجنوبي من العوامل التي ساهمت في تغيير ميزان القوة خلال الحرب.
وأصبحت أحداث 1994 إحدى أهم المحطات التي يستحضرها الجنوبيون عند الحديث عن أهمية وحدة القرار العسكري والسياسي.
عام 2015.. الحوثيون يدخلون عدن ثم يخرجون منها
في عام 2015، تمكن الحوثيون والقوات المتحالفة معهم من التقدم نحو عدن والسيطرة على أجزاء واسعة منها، وسط معارك عنيفة شهدتها المدينة ومناطق جنوبية أخرى.
لكن المقاومة المحلية، بمشاركة القوات الجنوبية وبدعم من التحالف العربي، تمكنت من تغيير مسار المعركة.
وفي يوليو 2015، أُعلن تحرير مطار عدن ومناطق رئيسية في المدينة خلال العملية العسكرية التي عُرفت باسم تحرير عدن، واستمرت بعدها المواجهات لاستعادة بقية المناطق.
وكانت تلك المعركة نقطة تحول مهمة في مسار الحرب، وأثبتت أن السيطرة على عدن لا تتحدد بالتقدم العسكري وحده، بل تتأثر أيضاً بالمقاومة المحلية والتضاريس والدعم العسكري.
تاسعاً: هل يستطيع الحوثيون الوصول إلى عدن؟
رغم خطورة اقتراب المواجهات من الممرات الشمالية المؤدية إلى عدن، فإن الحديث عن سقوط المدينة لا يزال سابقاً لأوانه.
فالمسافة الجغرافية وحدها لا تحدد نتيجة المعركة، كما أن السيطرة على المرتفعات لا تعني بالضرورة القدرة على اجتياز خطوط الدفاع والوصول إلى المناطق الحضرية.
وتعتمد فرص أي تقدم عسكري على مجموعة من العوامل، أهمها:
- مدى تماسك القوات الجنوبية والحكومية.
- قدرة ألوية العمالقة على المشاركة في الدفاع عن الجبهات.
- مستوى التنسيق بين التشكيلات العسكرية المختلفة.
- قدرة القوات على حماية خطوط الإمداد.
- طبيعة التدخلات الإقليمية والدولية.
- تطورات المعارك في تعز والساحل الغربي وباب المندب.
وفي المقابل، فإن استمرار الانقسامات السياسية والعسكرية قد يمنح الحوثيين فرصة لاستغلال الثغرات والتقدم في بعض المناطق دون الحاجة إلى خوض مواجهة شاملة.
عاشراً: المدنيون يدفعون الثمن الأكبر
بعيداً عن الحسابات العسكرية والسياسية، يبقى المواطن اليمني الطرف الأكثر تضرراً من استمرار الحرب.
فالمواجهات المتكررة تؤدي إلى نزوح السكان وتراجع النشاط الاقتصادي وتعطيل الطرق، فضلاً عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية.
وتعاني اليمن منذ سنوات من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع اعتماد ملايين السكان على المساعدات لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
وأي توسع جديد للقتال في لحج وتعز قد يؤدي إلى موجات نزوح إضافية، خصوصاً إذا اقتربت المواجهات من المناطق السكنية والأسواق والطرق الرئيسية.
ولهذا فإن حماية المدنيين وتأمين الممرات الإنسانية يجب أن تكون أولوية، بعيداً عن حسابات السيطرة العسكرية والمكاسب السياسية.
الخاتمة: عدن بين دروس 1994 واختبار 2015
تقف جبهات لحج وطور الباحة والمقاطرة أمام مرحلة شديدة الحساسية في مسار الحرب اليمنية، مع تزايد أهمية المرتفعات الجبلية والطرق التي تربط الشمال بالجنوب.
وتبقى ألوية العمالقة والقوات الجنوبية والحكومية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على تنسيق جهودها ومنع توسع المواجهات باتجاه عدن، في وقت تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع التعقيدات السياسية والإقليمية.
لقد أثبت التاريخ أن عدن كانت دائماً أكثر من مجرد مدينة، فهي بوابة استراتيجية ومركز سياسي واقتصادي مهم، وأن نتائج المعارك حولها لا تتحدد فقط بحجم القوات والأسلحة، بل أيضاً بمدى تماسك القوى التي تدافع عنها.
فهل تنجح القوات الجنوبية في منع الحوثيين من الاقتراب أكثر من عدن؟ وهل تتحول جبال لحج إلى ساحة استنزاف طويلة، أم نشهد تحولاً جديداً في خريطة السيطرة العسكرية؟
80 كيلومتراً قد تبدو مسافة قصيرة على الخريطة، لكنها في الحسابات العسكرية قد تكون مسافة طويلة ومكلفة، وستظل نتيجة المعركة مرتبطة بما يحدث على الأرض، وبقدرة الأطراف اليمنية على تجنب أخطاء الماضي.

تعليقات
إرسال تعليق