هل يمكن أن تكون الحروب والصراعات التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الأربعة الماضية مجرد أحداث منفصلة، أم أن هناك رؤى استراتيجية قديمة تصورت شكل المنطقة بعد تفكيك دولها الكبرى وإضعاف جيوشها وتحويلها إلى كيانات متناحرة؟
هذا السؤال عاد بقوة إلى الواجهة مع تتابع الأزمات التي ضربت العراق وسوريا وليبيا والسودان ولبنان والصومال، ومع التغيرات العميقة التي أعادت رسم موازين القوى في المنطقة.
فمنذ أكثر من أربعة عقود، ظهرت وثائق وأوراق استراتيجية إسرائيلية وأمريكية تحدثت صراحة عن ضرورة تغيير البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، وإضعاف الدول المعادية لها، والاستفادة من الانقسامات الداخلية والصراعات الإقليمية.
ومن أبرز هذه الوثائق مقال الصحفي الإسرائيلي عوديد ينون الذي نُشر عام 1982، ووثيقة أمريكية إسرائيلية حملت اسم «الانفصال النظيف» عام 1996.
وعندما نقارن الأفكار التي طرحتها هذه الوثائق بما حدث لاحقاً في المنطقة، نجد نقاط تشابه تستحق الدراسة والتوقف أمامها.
لكن السؤال الأهم هو: هل كانت هذه الوثائق مجرد رؤى سياسية، أم أنها تحولت إلى سياسات أثرت بالفعل في القرارات والحروب التي شهدها الشرق الأوسط؟
لفهم هذه القصة، يجب العودة إلى البداية، إلى عام 1982، عندما ظهرت واحدة من أكثر الأوراق الاستراتيجية إثارة للجدل في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
أولاً: وثيقة عوديد ينون عام 1982.. استراتيجية تفكيك الدول العربية
في فبراير عام 1982، نُشر مقال للكاتب والصحفي الإسرائيلي عوديد ينون في مجلة «كيفونيم» التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية.
حمل المقال عنوان «استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات»، لكنه لم يكن مجرد دراسة تقليدية عن الأمن القومي الإسرائيلي، بل تضمن رؤية سياسية وجيوسياسية لمستقبل الشرق الأوسط.
انطلقت الفكرة الأساسية من أن الدول العربية الكبيرة، بما تمتلكه من موارد بشرية واقتصادية وعسكرية، تمثل تحدياً استراتيجياً لإسرائيل، وأن التعامل معها لا ينبغي أن يقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة.
وطرح ينون تصوراً يقوم على أن تفكك الدول العربية إلى كيانات أصغر، تتنازع فيما بينها على أسس دينية ومذهبية وعرقية، سيؤدي إلى إضعاف قدرتها على تشكيل تهديد إقليمي موحد.
بمعنى آخر، الدولة القوية التي تمتلك جيشاً موحداً ومؤسسات مركزية وقراراً سياسياً مستقلاً يمكن أن تتحول، إذا تفككت من الداخل، إلى مجموعة من الكيانات المنشغلة بصراعاتها الداخلية.
العراق.. النموذج الأبرز في رؤية ينون
احتل العراق مكانة مهمة في المقال، باعتباره إحدى أبرز القوى العسكرية والاقتصادية في العالم العربي آنذاك.
وتحدث ينون عن احتمالات تفكك العراق إلى مناطق وكيانات ذات هويات مختلفة، مع الإشارة إلى الانقسامات الكردية والسنية والشيعية.
وكانت أهمية العراق الاستراتيجية تنبع من عدة عوامل:
- امتلاكه احتياطيات نفطية ضخمة وموارد اقتصادية مهمة.
- امتلاكه جيشاً كبيراً وقوة عسكرية إقليمية.
- موقعه الجغرافي الذي يربط الخليج العربي ببلاد الشام وتركيا وإيران.
- قدرته على التأثير في موازين القوى الإقليمية.
- امتلاكه مقومات الدولة المركزية القادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة.
ولذلك فإن تفكك العراق، وفق المنطق الذي تناوله المقال، سيؤدي إلى إضعاف واحدة من أهم القوى العربية في المنطقة.
سوريا ولبنان.. الانقسامات الداخلية بوصفها عامل ضعف
لم تكن سوريا بعيدة عن التصورات التي ناقشها ينون.
فقد تناول المقال التكوين الطائفي والعرقي في سوريا، وأشار إلى احتمالات تشكل كيانات منفصلة على أساس الهويات المحلية والطائفية.
أما لبنان، الذي كان يعيش حرباً أهلية منذ عام 1975، فقد ظهر باعتباره مثالاً واضحاً على خطورة الانقسامات الداخلية عندما تتحول الطوائف والقوى السياسية إلى مراكز نفوذ متنافسة.
وتكشف هذه الأفكار عن نظرة استراتيجية ترى أن الدول المتعددة المكونات يمكن أن تصبح أكثر هشاشة عندما تتراجع سلطة الدولة المركزية، وتتحول الهويات الفرعية إلى أساس للصراع السياسي والعسكري.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن مقال ينون كان تصوراً سياسياً منشوراً، وليس قراراً حكومياً إسرائيلياً معلناً بتقسيم جميع الدول المذكورة، ولا دليلاً مستقلاً على وجود خطة تنفيذية موحدة جرى تطبيقها حرفياً.
لكن أهميته تكمن في أنه كشف عن اتجاه فكري كان يرى في تفكك الدول المجاورة مصلحة استراتيجية لإسرائيل.
ثانياً: لماذا كانت وثيقة ينون مهمة إلى هذه الدرجة؟
تكمن خطورة المقال في طبيعة الأفكار التي ناقشها، وليس في كونه تنبأ بكل الحروب التي حدثت لاحقاً.
فبدلاً من النظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مجموعة من الدول ذات الحدود والسيادة، تعاملت الرؤية المطروحة مع المنطقة باعتبارها مساحة يمكن أن تتغير خريطتها السياسية نتيجة الصراعات الداخلية.
وكانت الفكرة الأساسية أن تفوق إسرائيل لا يعتمد فقط على امتلاك الطائرات والصواريخ والأسلحة المتطورة، بل يرتبط أيضاً بطبيعة البيئة المحيطة بها.
فكلما كانت الدول المجاورة قوية ومستقرة وموحدة، امتلكت قدرة أكبر على التأثير في التوازن الإقليمي.
أما عندما تدخل هذه الدول في حروب أهلية وانقسامات سياسية وصراعات عرقية وطائفية، فإنها تفقد جزءاً كبيراً من قدرتها على التأثير الخارجي.
وقد ساهم المفكر والباحث الإسرائيلي المعارض إسرائيل شاحاك في نقل المقال إلى جمهور أوسع من خلال ترجمته إلى الإنجليزية والتعليق عليه، الأمر الذي ساعد في انتشاره خارج الأوساط العبرية.
وهكذا تحولت الورقة من مقال محدود الانتشار إلى وثيقة يستشهد بها الباحثون والمهتمون بالاستراتيجية الإسرائيلية عند دراسة التحولات التي شهدها الشرق الأوسط.
ثالثاً: عام 1996.. وثيقة «الانفصال النظيف» وإعادة التفكير في أمن إسرائيل
بعد أربعة عشر عاماً من نشر مقال ينون، ظهرت وثيقة أخرى أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والاستراتيجية.
في عام 1996، أعد فريق من الباحثين والاستراتيجيين الأمريكيين والإسرائيليين دراسة حملت عنوان:
«A Clean Break: A New Strategy for Securing the Realm»
وترجمتها: «الانفصال النظيف: استراتيجية جديدة لتأمين المملكة».
أُعدت الدراسة لصالح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية للمرة الأولى عام 1996.
وكان من أبرز المشاركين في إعدادها ريتشارد بيرل، إلى جانب ديفيد وورمسر ودوجلاس فايث وعدد من الباحثين الآخرين.
ماذا كانت تريد الوثيقة؟
انطلقت الدراسة من انتقاد المسار السياسي الذي تبنته إسرائيل خلال مرحلة اتفاقيات أوسلو، ودعت إلى تبني استراتيجية أمنية وسياسية أكثر اعتماداً على القوة والمبادرة وتغيير البيئة الإقليمية.
ومن أبرز الأفكار التي ناقشتها:
- التخلي عن الاعتماد على مسار التسوية السياسية باعتباره الطريق الوحيد لتحقيق الأمن.
- تبني سياسة أكثر حزماً في التعامل مع التهديدات الإقليمية.
- إعادة النظر في العلاقة الاستراتيجية مع سوريا.
- تقليص نفوذ القوى التي تعتبرها إسرائيل تهديداً لأمنها.
- تعزيز التحالفات الإقليمية والدولية التي تدعم التفوق الإسرائيلي.
- استخدام القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل.
وكانت سوريا حاضرة بقوة في هذه الرؤية، خصوصاً فيما يتعلق بإضعاف نفوذها الإقليمي وعلاقتها بإيران وحزب الله.
لكن الوثيقة لم تكن خطة عسكرية تفصيلية لتقسيم جميع الدول العربية، كما أنها لم تتضمن برنامجاً تنفيذياً موحداً للحروب التي وقعت لاحقاً.
وهنا يجب التفريق بين ما ورد فعلياً في النص وبين التفسيرات التي أُضيفت إليه في بعض التحليلات السياسية والإعلامية.
رابعاً: المحافظون الجدد.. من مراكز الدراسات إلى دوائر القرار الأمريكي
تزداد أهمية وثيقة «الانفصال النظيف» عندما ننظر إلى المسارات السياسية لبعض الأسماء التي شاركت في إعدادها.
فعدد من الشخصيات المرتبطة بالتيار المحافظ الجديد في الولايات المتحدة انتقل لاحقاً إلى مواقع مؤثرة في إدارة الرئيس جورج بوش الابن.
ومن أبرز هذه الشخصيات:
ريتشارد بيرل
كان من أبرز الأصوات المؤيدة لسياسة خارجية أمريكية أكثر تشدداً، ولعب دوراً مؤثراً في النقاشات المتعلقة بالأمن القومي والسياسة الدفاعية الأمريكية.
دوجلاس فايث
تولى منصب وكيل وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون السياسات خلال إدارة جورج بوش الابن، وكان من الشخصيات البارزة في مرحلة التحضير لحرب العراق.
ديفيد وورمسر
ارتبط اسمه بالنقاشات الاستراتيجية المتعلقة بالشرق الأوسط، وقدم رؤى سياسية تتناول طبيعة الصراع الإقليمي وموقع إسرائيل فيه.
وتثير هذه المسارات تساؤلات مهمة حول العلاقة بين مراكز التفكير السياسي وصناعة القرار في واشنطن.
فالأفكار التي تبدأ داخل مؤسسات البحث والدراسات لا تبقى دائماً مجرد نظريات، بل يمكن أن تنتقل إلى الحكومات عندما يصل أصحابها إلى مواقع السلطة.
ومع ذلك، فإن انتقال بعض المشاركين في إعداد الوثيقة إلى الإدارة الأمريكية لا يثبت وحده أن كل السياسات الأمريكية اللاحقة كانت تنفيذاً مباشراً لها.
لكن هذا الترابط يستحق الدراسة، خصوصاً عند تحليل خلفيات الحرب الأمريكية على العراق عام 2003.
خامساً: أحداث 11 سبتمبر.. اللحظة التي غيرت الشرق الأوسط
في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، تعرضت الولايات المتحدة لهجمات إرهابية غير مسبوقة استهدفت مركز التجارة العالمي ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية.
غيرت تلك الهجمات السياسة الخارجية الأمريكية بصورة جذرية.
وأعلنت واشنطن حرباً عالمية على الإرهاب، وبدأت مرحلة جديدة من التدخل العسكري المباشر في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
كانت أفغانستان أول ساحة رئيسية لهذه الحرب، ثم جاء العراق عام 2003.
وبينما كانت الولايات المتحدة تقدم مبرراتها السياسية والعسكرية للتدخل، كانت المنطقة تدخل مرحلة طويلة من الاضطراب الذي سيغير موازين القوى لعقود.
سادساً: العراق 2003.. سقوط الدولة وتفكك موازين القوى
في مارس عام 2003، بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها غزو العراق، مستندين إلى اتهامات امتلاك نظام صدام حسين أسلحة دمار شامل، إضافة إلى مبررات أخرى تتعلق بالأمن الدولي ومكافحة الإرهاب.
سقط نظام صدام حسين خلال أسابيع، لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر تعقيداً وخطورة.
فقد دخل العراق مرحلة من الاضطراب السياسي والأمني، وتعرضت مؤسساته العسكرية والإدارية لتفكيك واسع.
وكان قرار حل الجيش العراقي واجتثاث حزب البعث من أبرز القرارات التي ساهمت في إضعاف مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية.
ثم ظهرت مجموعة من الأزمات:
- تصاعد الصراع الطائفي بين الجماعات المسلحة.
- تراجع سلطة الحكومة المركزية في مناطق واسعة.
- ظهور تنظيمات مسلحة متطرفة.
- تصاعد النفوذ الإيراني داخل العراق.
- تراجع قدرة الدولة على احتكار السلاح.
- تحول العراق إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي.
وفي عام 2014، تمكن تنظيم داعش من السيطرة على مساحات واسعة من العراق وسوريا، في واحدة من أخطر الأزمات الأمنية التي شهدتها المنطقة.
وهكذا تحول العراق من دولة تمتلك أحد أكبر الجيوش العربية إلى دولة تواجه تحديات معقدة تتعلق بالسيادة والسلاح والنفوذ الخارجي.
وهنا ظهرت المقارنة بين ما طرحه مقال ينون عام 1982 وما حدث في العراق بعد عام 2003.
لكن من الناحية التاريخية، لا يمكن اختزال سقوط العراق في وثيقة واحدة؛ فقد تداخلت قرارات الغزو والاحتلال، وأخطاء إدارة المرحلة الانتقالية، والصراعات الداخلية، والتدخلات الإقليمية.
سابعاً: السودان.. الانفصال الذي غير خريطة الدولة
يقدم السودان مثالاً آخر على التحولات الجذرية التي شهدتها المنطقة.
فبعد عقود من الحرب الأهلية بين شمال السودان وجنوبه، وُقعت اتفاقية السلام الشامل عام 2005، التي فتحت الطريق أمام استفتاء تقرير المصير.
وفي يناير 2011، صوت سكان جنوب السودان بأغلبية ساحقة لصالح الانفصال.
وفي يوليو من العام نفسه، أُعلنت دولة جنوب السودان المستقلة.
وبذلك أصبح السودان دولتين بعد أن كان أكبر دولة إفريقية من حيث المساحة قبل الانفصال.
لكن الاستقلال لم ينهِ الأزمات؛ إذ واجهت دولة جنوب السودان صراعات سياسية وعسكرية داخلية، بينما استمر السودان في مواجهة أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية.
ثم اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، لتدخل البلاد واحدة من أسوأ مراحلها الإنسانية والعسكرية.
ويكشف المسار السوداني أن تفكك الدول لا يعني بالضرورة الوصول إلى الاستقرار، بل قد يؤدي إلى نشوء أزمات جديدة أكثر تعقيداً.
ثامناً: ليبيا 2011.. من الدولة المركزية إلى صراع النفوذ
في عام 2011، اندلعت الانتفاضة الليبية ضد نظام معمر القذافي، ثم تدخل حلف شمال الأطلسي عسكرياً بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1973.
وانتهى حكم القذافي، لكن الدولة الليبية لم تتمكن من بناء نظام سياسي مستقر قادر على احتكار السلاح وإدارة المؤسسات.
وبدلاً من ذلك، دخلت البلاد في مرحلة من الانقسام السياسي والعسكري.
ظهرت حكومات ومؤسسات متنافسة، وانتشرت المجموعات المسلحة، وتحولت مناطق واسعة إلى ساحات للصراع بين قوى محلية مدعومة من أطراف إقليمية ودولية.
وأصبحت ليبيا مثالاً واضحاً على أن إسقاط النظام لا يعني بالضرورة بناء دولة جديدة مستقرة.
فقد امتلكت البلاد موارد نفطية كبيرة وموقعاً استراتيجياً مهماً، لكنها واجهت صعوبة بالغة في تحويل هذه الموارد إلى قوة وطنية موحدة.
تاسعاً: سوريا.. الحرب التي تحولت إلى صراع دولي على النفوذ
كانت سوريا من أهم الدول في الحسابات الاستراتيجية للشرق الأوسط.
فموقعها الجغرافي يربط تركيا بالعراق ولبنان والأردن وفلسطين، كما أنها تمثل حلقة مهمة في شبكة التحالفات الإقليمية.
وفي عام 2011، بدأت احتجاجات شعبية تحولت تدريجياً إلى صراع مسلح واسع النطاق.
ومع مرور الوقت، دخلت أطراف إقليمية ودولية متعددة إلى الساحة السورية.
فشاركت روسيا عسكرياً دعماً للنظام السوري، وتدخلت إيران وحلفاؤها، بينما دعمت الولايات المتحدة ودول أخرى قوى مختلفة، وركزت تركيا على أمن حدودها ومواجهة التنظيمات المسلحة التي تعتبرها تهديداً لها.
وتحولت سوريا إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الروسية والأمريكية والتركية والإيرانية والإسرائيلية والعربية.
وتراجعت سلطة الدولة المركزية على أجزاء واسعة من البلاد، وظهرت مناطق نفوذ متعددة.
وفي ديسمبر 2024، سقط نظام بشار الأسد بعد تقدم الفصائل المسلحة وسيطرتها على دمشق، لتدخل سوريا مرحلة انتقالية جديدة مليئة بالتحديات.
وكان سقوط النظام تحولاً تاريخياً أنهى عقوداً من حكم عائلة الأسد، لكنه لم يكن نهاية الأزمة السورية.
فالتحديات المتعلقة بوحدة الأراضي السورية، وبناء المؤسسات، وإعادة الإعمار، واحتكار السلاح، والعلاقات مع القوى الخارجية ظلت حاضرة بقوة.
وهنا تبدو المقارنة مع تصورات عام 1982 مثيرة للاهتمام، خصوصاً فيما يتعلق بمستقبل الدولة السورية ووحدتها.
عاشراً: لبنان.. الدولة التي تتقاطع داخلها الطوائف والقوى الإقليمية
منذ الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت عام 1975 وانتهت رسمياً باتفاق الطائف عام 1989، ظل لبنان يعاني من اختلالات بنيوية في نظامه السياسي.
يقوم النظام اللبناني على توازنات طائفية معقدة، تتوزع بموجبها المناصب السياسية الرئيسية بين مكونات المجتمع المختلفة.
ومع مرور الوقت، أصبحت هذه التوازنات جزءاً من معادلة سياسية يصعب تجاوزها.
كما تعزز دور حزب الله عسكرياً وسياسياً، وأصبح يمتلك قوة مسلحة مستقلة عن الجيش اللبناني، الأمر الذي جعل مسألة احتكار الدولة للسلاح من أكثر القضايا إثارة للجدل.
وتداخلت الأزمة اللبنانية مع الصراعات الإقليمية، خصوصاً الصراع بين إسرائيل وإيران.
وفي السنوات الأخيرة، تعرض لبنان لضغوط عسكرية واقتصادية وسياسية كبيرة، بينما أثرت المواجهات بين إسرائيل وحزب الله بصورة مباشرة في أمن البلاد واستقرارها.
ويكشف النموذج اللبناني كيف يمكن أن يؤدي ضعف مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة إلى جعل البلاد عرضة للتأثيرات الخارجية.
الحادي عشر: الصومال.. عقود من انهيار الدولة المركزية
منذ سقوط نظام محمد سياد بري عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من التفكك السياسي والحرب الأهلية.
انهارت مؤسسات الدولة المركزية، وظهرت سلطات محلية ومجموعات مسلحة متعددة.
كما برز تنظيم حركة الشباب المرتبط بتنظيم القاعدة، ليصبح أحد أبرز التهديدات الأمنية في منطقة القرن الإفريقي.
ورغم الجهود الدولية والإقليمية لإعادة بناء مؤسسات الدولة، لا يزال الصومال يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالأمن والسيادة والاستقرار السياسي.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية للصومال في موقعه المطل على خليج عدن والمحيط الهندي، وقربه من مضيق باب المندب والطرق البحرية الدولية.
وهذا الموقع يجعل استقرار الصومال قضية تتجاوز حدوده، وترتبط بأمن الملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
الثاني عشر: إيران.. الحلقة الأكثر تعقيداً في معادلة الشرق الأوسط
تختلف إيران عن الدول التي شهدت انهياراً أو تفككاً مؤسسياً خلال العقود الماضية.
فهي دولة تمتلك مؤسسات مركزية قوية، وقوات عسكرية متعددة، وبرنامجاً صاروخياً، وموارد بشرية واقتصادية كبيرة، إضافة إلى شبكة علاقات ونفوذ إقليمي.
لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة العقوبات الاقتصادية، والصراعات الإقليمية، والمواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وقد تعرضت شبكة حلفائها الإقليميين لتغيرات كبيرة، خصوصاً بعد الحرب في لبنان، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا عام 2024، والتحولات التي شهدتها الساحة الإقليمية.
كما أصبحت المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل عاملاً رئيسياً في تحديد مستقبل التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط.
لكن وصف إيران بأنها «الحلقة الأخيرة» في خطة مكتملة لتقسيم المنطقة يحتاج إلى دليل مستقل، ولا يمكن اعتباره حقيقة تاريخية لمجرد وجود تشابه بين بعض الأحداث والأفكار القديمة.
فإيران ليست مجرد دولة تنتظر مصير الدول الأخرى، بل تمتلك حساباتها الاستراتيجية الخاصة، وقدراتها العسكرية، وأدوات التأثير الإقليمي، ومصالحها المرتبطة بأمنها القومي.
والسؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الضغوط المتراكمة ستؤدي إلى تغيير سلوكها الاستراتيجي، أم إلى إعادة تشكيل توازنات المنطقة بصورة أكثر تعقيداً.
الثالث عشر: هل تحققت بالفعل خطة الحروب السبع؟
عند النظر إلى خريطة الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، نجد أن عدداً كبيراً من الدول تعرض لتغيرات عميقة.
العراق فقد جزءاً كبيراً من قوته العسكرية بعد الغزو الأمريكي.
ليبيا تحولت إلى دولة منقسمة سياسياً وعسكرياً.
سوريا دخلت حرباً طويلة وانتهى حكم عائلة الأسد عام 2024.
السودان انقسم إلى دولتين، ثم دخل في حرب داخلية جديدة.
لبنان ظل يعاني من الانقسامات السياسية والطائفية وتعدد مراكز القوة.
الصومال استمر في مواجهة آثار انهيار الدولة المركزية.
أما إيران، فأصبحت في قلب مواجهة إقليمية متصاعدة.
هذه الوقائع تجعل المقارنة مع الأفكار التي ظهرت في مقال ينون عام 1982 ووثيقة «الانفصال النظيف» عام 1996 أمراً يستحق البحث.
لكن هناك فرقاً جوهرياً بين ثلاثة أمور:
- وجود وثائق سياسية حقيقية تناقش إضعاف خصوم إسرائيل وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية.
- حدوث حروب وأزمات أدت فعلاً إلى إضعاف عدد من الدول العربية.
- إثبات وجود قيادة موحدة وخطة تنفيذية سرية واحدة أدارت كل تلك الحروب منذ عام 1982.
الأمران الأول والثاني يمكن دراستهما من خلال الوثائق والأحداث التاريخية، أما الثالث فيحتاج إلى أدلة مباشرة لا توفرها مجرد المقارنة بين النصوص والتطورات اللاحقة.
وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول القراءة الاستراتيجية إلى تفسير مبسط لكل ما حدث في المنطقة.
الرابع عشر: لماذا كانت الدول العربية عرضة لهذا المستوى من التفكك؟
لا يمكن تفسير انهيار بعض الدول العربية من خلال التدخل الخارجي وحده.
فهناك مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي تداخلت وأسهمت في صناعة الأزمات.
1. ضعف المؤسسات السياسية
عندما ترتبط الدولة بشخص الحاكم أو الحزب الواحد، تصبح مؤسساتها أكثر هشاشة عند حدوث أزمة سياسية أو انتقال مفاجئ للسلطة.
2. الانقسامات الاجتماعية والطائفية
استغلال الانقسامات المذهبية والعرقية يمكن أن يحول الخلافات الاجتماعية إلى صراعات سياسية وعسكرية طويلة.
3. التدخلات الخارجية
تدخل القوى الإقليمية والدولية لدعم أطراف محلية مختلفة يؤدي أحياناً إلى إطالة الصراعات وتحويلها إلى حروب بالوكالة.
4. ضعف الاقتصاد
الأزمات الاقتصادية والبطالة وتراجع الخدمات العامة تخلق بيئة يمكن أن تستغلها الجماعات المسلحة والقوى المتنافسة.
5. انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة
عندما تفقد الدولة احتكار القوة المسلحة، يصبح من الصعب فرض القانون وحماية الحدود وإدارة الصراعات الداخلية.
6. غياب مشروع إقليمي عربي مشترك
الخلافات السياسية بين الدول العربية أضعفت القدرة على بناء مواقف استراتيجية مشتركة تجاه التحديات الأمنية والاقتصادية.
وبالتالي، فإن تفكك الدول لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تفاعل بين أخطاء داخلية وصراعات إقليمية وتدخلات دولية.
الخامس عشر: ما الذي تكشفه الوثائق عن مستقبل الشرق الأوسط؟
تكشف وثيقة ينون ووثيقة «الانفصال النظيف» عن حقيقة مهمة في العلاقات الدولية، وهي أن الدول لا تتحرك دائماً وفق ردود الفعل على الأحداث فقط، بل تضع أيضاً تصورات طويلة المدى لمستقبل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.
وقد تتضمن هذه التصورات إضعاف الخصوم، وتغيير التحالفات، وإعادة توزيع النفوذ، والاستفادة من الانقسامات الداخلية.
ومن هنا، فإن دراسة هذه الوثائق لا ينبغي أن تكون بهدف إثبات أن كل حرب كانت مخططاً لها مسبقاً، بل لفهم الطريقة التي تفكر بها بعض النخب السياسية والاستراتيجية في أمنها ومصالحها.
أما مستقبل الشرق الأوسط، فسيتوقف على عدة عوامل رئيسية:
- قدرة الدول العربية على الحفاظ على وحدتها السياسية ومؤسساتها الوطنية.
- مستقبل المواجهة بين إسرائيل وإيران.
- طبيعة الدور الأمريكي في المنطقة.
- التحولات في السياسة الروسية والصينية تجاه الشرق الأوسط.
- مستقبل سوريا والعراق ولبنان والسودان وليبيا.
- قدرة الدول الإقليمية على بناء تفاهمات تمنع تحول الخلافات إلى حروب واسعة.
فالمنطقة لا تزال تمر بمرحلة إعادة تشكيل، وقد تحمل السنوات المقبلة تغيرات كبيرة في التحالفات وموازين القوى.
الخاتمة: هل قرأ العرب ما كُتب عن مستقبلهم؟
بعد مرور أكثر من أربعة عقود على نشر مقال عوديد ينون، وثلاثة عقود على ظهور وثيقة «الانفصال النظيف»، لا تزال الأفكار المتعلقة بإضعاف الدول وإعادة تشكيل الشرق الأوسط حاضرة في النقاشات السياسية والاستراتيجية.
لقد شهدت المنطقة حروباً غيرت حدود النفوذ، وأسقطت أنظمة، وأضعفت جيوشاً، ودفعت ملايين البشر إلى النزوح، وأدخلت دولاً بأكملها في أزمات طويلة.
وبينما يرى البعض في هذه الأحداث دليلاً على تنفيذ استراتيجية قديمة لتفتيت الشرق الأوسط، يرى آخرون أنها نتيجة تداخل عوامل داخلية وخارجية لا يمكن اختزالها في وثيقة واحدة.
والحقيقة أن قراءة الوثائق التاريخية وفهم المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى أمر ضروري، لكن الأهم هو عدم الاكتفاء بالبحث عن مخططات الآخرين، وإهمال الأسباب الداخلية التي جعلت بعض الدول أكثر عرضة للانهيار.
فالدولة القوية لا تقوم على امتلاك السلاح وحده، بل على مؤسسات مستقرة، واقتصاد قادر على الصمود، وجبهة داخلية متماسكة، وقرار سياسي مستقل.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على مستقبل المنطقة:
هل يستطيع الشرق الأوسط تجاوز مرحلة تفكك الدول وصراعات النفوذ، أم أن خريطة المنطقة لا تزال مفتوحة أمام حروب جديدة وتغييرات استراتيجية أكبر؟
هذا هو التحدي الحقيقي الذي ستواجهه الدول العربية في السنوات المقبلة.
هل يمكن أن تكون الحروب والصراعات التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الأربعة الماضية مجرد أحداث منفصلة، أم أن هناك رؤى استراتيجية قديمة تصورت شكل المنطقة بعد تفكيك دولها الكبرى وإضعاف جيوشها وتحويلها إلى كيانات متناحرة؟
هذا السؤال عاد بقوة إلى الواجهة مع تتابع الأزمات التي ضربت العراق وسوريا وليبيا والسودان ولبنان والصومال، ومع التغيرات العميقة التي أعادت رسم موازين القوى في المنطقة.
فمنذ أكثر من أربعة عقود، ظهرت وثائق وأوراق استراتيجية إسرائيلية وأمريكية تحدثت صراحة عن ضرورة تغيير البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، وإضعاف الدول المعادية لها، والاستفادة من الانقسامات الداخلية والصراعات الإقليمية.
ومن أبرز هذه الوثائق مقال الصحفي الإسرائيلي عوديد ينون الذي نُشر عام 1982، ووثيقة أمريكية إسرائيلية حملت اسم «الانفصال النظيف» عام 1996.
وعندما نقارن الأفكار التي طرحتها هذه الوثائق بما حدث لاحقاً في المنطقة، نجد نقاط تشابه تستحق الدراسة والتوقف أمامها.
لكن السؤال الأهم هو: هل كانت هذه الوثائق مجرد رؤى سياسية، أم أنها تحولت إلى سياسات أثرت بالفعل في القرارات والحروب التي شهدها الشرق الأوسط؟
لفهم هذه القصة، يجب العودة إلى البداية، إلى عام 1982، عندما ظهرت واحدة من أكثر الأوراق الاستراتيجية إثارة للجدل في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
أولاً: وثيقة عوديد ينون عام 1982.. استراتيجية تفكيك الدول العربية
في فبراير عام 1982، نُشر مقال للكاتب والصحفي الإسرائيلي عوديد ينون في مجلة «كيفونيم» التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية.
حمل المقال عنوان «استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات»، لكنه لم يكن مجرد دراسة تقليدية عن الأمن القومي الإسرائيلي، بل تضمن رؤية سياسية وجيوسياسية لمستقبل الشرق الأوسط.
انطلقت الفكرة الأساسية من أن الدول العربية الكبيرة، بما تمتلكه من موارد بشرية واقتصادية وعسكرية، تمثل تحدياً استراتيجياً لإسرائيل، وأن التعامل معها لا ينبغي أن يقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة.
وطرح ينون تصوراً يقوم على أن تفكك الدول العربية إلى كيانات أصغر، تتنازع فيما بينها على أسس دينية ومذهبية وعرقية، سيؤدي إلى إضعاف قدرتها على تشكيل تهديد إقليمي موحد.
بمعنى آخر، الدولة القوية التي تمتلك جيشاً موحداً ومؤسسات مركزية وقراراً سياسياً مستقلاً يمكن أن تتحول، إذا تفككت من الداخل، إلى مجموعة من الكيانات المنشغلة بصراعاتها الداخلية.
العراق.. النموذج الأبرز في رؤية ينون
احتل العراق مكانة مهمة في المقال، باعتباره إحدى أبرز القوى العسكرية والاقتصادية في العالم العربي آنذاك.
وتحدث ينون عن احتمالات تفكك العراق إلى مناطق وكيانات ذات هويات مختلفة، مع الإشارة إلى الانقسامات الكردية والسنية والشيعية.
وكانت أهمية العراق الاستراتيجية تنبع من عدة عوامل:
- امتلاكه احتياطيات نفطية ضخمة وموارد اقتصادية مهمة.
- امتلاكه جيشاً كبيراً وقوة عسكرية إقليمية.
- موقعه الجغرافي الذي يربط الخليج العربي ببلاد الشام وتركيا وإيران.
- قدرته على التأثير في موازين القوى الإقليمية.
- امتلاكه مقومات الدولة المركزية القادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة.
ولذلك فإن تفكك العراق، وفق المنطق الذي تناوله المقال، سيؤدي إلى إضعاف واحدة من أهم القوى العربية في المنطقة.
سوريا ولبنان.. الانقسامات الداخلية بوصفها عامل ضعف
لم تكن سوريا بعيدة عن التصورات التي ناقشها ينون.
فقد تناول المقال التكوين الطائفي والعرقي في سوريا، وأشار إلى احتمالات تشكل كيانات منفصلة على أساس الهويات المحلية والطائفية.
أما لبنان، الذي كان يعيش حرباً أهلية منذ عام 1975، فقد ظهر باعتباره مثالاً واضحاً على خطورة الانقسامات الداخلية عندما تتحول الطوائف والقوى السياسية إلى مراكز نفوذ متنافسة.
وتكشف هذه الأفكار عن نظرة استراتيجية ترى أن الدول المتعددة المكونات يمكن أن تصبح أكثر هشاشة عندما تتراجع سلطة الدولة المركزية، وتتحول الهويات الفرعية إلى أساس للصراع السياسي والعسكري.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن مقال ينون كان تصوراً سياسياً منشوراً، وليس قراراً حكومياً إسرائيلياً معلناً بتقسيم جميع الدول المذكورة، ولا دليلاً مستقلاً على وجود خطة تنفيذية موحدة جرى تطبيقها حرفياً.
لكن أهميته تكمن في أنه كشف عن اتجاه فكري كان يرى في تفكك الدول المجاورة مصلحة استراتيجية لإسرائيل.
ثانياً: لماذا كانت وثيقة ينون مهمة إلى هذه الدرجة؟
تكمن خطورة المقال في طبيعة الأفكار التي ناقشها، وليس في كونه تنبأ بكل الحروب التي حدثت لاحقاً.
فبدلاً من النظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مجموعة من الدول ذات الحدود والسيادة، تعاملت الرؤية المطروحة مع المنطقة باعتبارها مساحة يمكن أن تتغير خريطتها السياسية نتيجة الصراعات الداخلية.
وكانت الفكرة الأساسية أن تفوق إسرائيل لا يعتمد فقط على امتلاك الطائرات والصواريخ والأسلحة المتطورة، بل يرتبط أيضاً بطبيعة البيئة المحيطة بها.
فكلما كانت الدول المجاورة قوية ومستقرة وموحدة، امتلكت قدرة أكبر على التأثير في التوازن الإقليمي.
أما عندما تدخل هذه الدول في حروب أهلية وانقسامات سياسية وصراعات عرقية وطائفية، فإنها تفقد جزءاً كبيراً من قدرتها على التأثير الخارجي.
وقد ساهم المفكر والباحث الإسرائيلي المعارض إسرائيل شاحاك في نقل المقال إلى جمهور أوسع من خلال ترجمته إلى الإنجليزية والتعليق عليه، الأمر الذي ساعد في انتشاره خارج الأوساط العبرية.
وهكذا تحولت الورقة من مقال محدود الانتشار إلى وثيقة يستشهد بها الباحثون والمهتمون بالاستراتيجية الإسرائيلية عند دراسة التحولات التي شهدها الشرق الأوسط.
ثالثاً: عام 1996.. وثيقة «الانفصال النظيف» وإعادة التفكير في أمن إسرائيل
بعد أربعة عشر عاماً من نشر مقال ينون، ظهرت وثيقة أخرى أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والاستراتيجية.
في عام 1996، أعد فريق من الباحثين والاستراتيجيين الأمريكيين والإسرائيليين دراسة حملت عنوان:
«A Clean Break: A New Strategy for Securing the Realm»
وترجمتها: «الانفصال النظيف: استراتيجية جديدة لتأمين المملكة».
أُعدت الدراسة لصالح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية للمرة الأولى عام 1996.
وكان من أبرز المشاركين في إعدادها ريتشارد بيرل، إلى جانب ديفيد وورمسر ودوجلاس فايث وعدد من الباحثين الآخرين.
ماذا كانت تريد الوثيقة؟
انطلقت الدراسة من انتقاد المسار السياسي الذي تبنته إسرائيل خلال مرحلة اتفاقيات أوسلو، ودعت إلى تبني استراتيجية أمنية وسياسية أكثر اعتماداً على القوة والمبادرة وتغيير البيئة الإقليمية.
ومن أبرز الأفكار التي ناقشتها:
- التخلي عن الاعتماد على مسار التسوية السياسية باعتباره الطريق الوحيد لتحقيق الأمن.
- تبني سياسة أكثر حزماً في التعامل مع التهديدات الإقليمية.
- إعادة النظر في العلاقة الاستراتيجية مع سوريا.
- تقليص نفوذ القوى التي تعتبرها إسرائيل تهديداً لأمنها.
- تعزيز التحالفات الإقليمية والدولية التي تدعم التفوق الإسرائيلي.
- استخدام القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل.
وكانت سوريا حاضرة بقوة في هذه الرؤية، خصوصاً فيما يتعلق بإضعاف نفوذها الإقليمي وعلاقتها بإيران وحزب الله.
لكن الوثيقة لم تكن خطة عسكرية تفصيلية لتقسيم جميع الدول العربية، كما أنها لم تتضمن برنامجاً تنفيذياً موحداً للحروب التي وقعت لاحقاً.
وهنا يجب التفريق بين ما ورد فعلياً في النص وبين التفسيرات التي أُضيفت إليه في بعض التحليلات السياسية والإعلامية.
رابعاً: المحافظون الجدد.. من مراكز الدراسات إلى دوائر القرار الأمريكي
تزداد أهمية وثيقة «الانفصال النظيف» عندما ننظر إلى المسارات السياسية لبعض الأسماء التي شاركت في إعدادها.
فعدد من الشخصيات المرتبطة بالتيار المحافظ الجديد في الولايات المتحدة انتقل لاحقاً إلى مواقع مؤثرة في إدارة الرئيس جورج بوش الابن.
ومن أبرز هذه الشخصيات:
ريتشارد بيرل
كان من أبرز الأصوات المؤيدة لسياسة خارجية أمريكية أكثر تشدداً، ولعب دوراً مؤثراً في النقاشات المتعلقة بالأمن القومي والسياسة الدفاعية الأمريكية.
دوجلاس فايث
تولى منصب وكيل وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون السياسات خلال إدارة جورج بوش الابن، وكان من الشخصيات البارزة في مرحلة التحضير لحرب العراق.
ديفيد وورمسر
ارتبط اسمه بالنقاشات الاستراتيجية المتعلقة بالشرق الأوسط، وقدم رؤى سياسية تتناول طبيعة الصراع الإقليمي وموقع إسرائيل فيه.
وتثير هذه المسارات تساؤلات مهمة حول العلاقة بين مراكز التفكير السياسي وصناعة القرار في واشنطن.
فالأفكار التي تبدأ داخل مؤسسات البحث والدراسات لا تبقى دائماً مجرد نظريات، بل يمكن أن تنتقل إلى الحكومات عندما يصل أصحابها إلى مواقع السلطة.
ومع ذلك، فإن انتقال بعض المشاركين في إعداد الوثيقة إلى الإدارة الأمريكية لا يثبت وحده أن كل السياسات الأمريكية اللاحقة كانت تنفيذاً مباشراً لها.
لكن هذا الترابط يستحق الدراسة، خصوصاً عند تحليل خلفيات الحرب الأمريكية على العراق عام 2003.
خامساً: أحداث 11 سبتمبر.. اللحظة التي غيرت الشرق الأوسط
في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، تعرضت الولايات المتحدة لهجمات إرهابية غير مسبوقة استهدفت مركز التجارة العالمي ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية.
غيرت تلك الهجمات السياسة الخارجية الأمريكية بصورة جذرية.
وأعلنت واشنطن حرباً عالمية على الإرهاب، وبدأت مرحلة جديدة من التدخل العسكري المباشر في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
كانت أفغانستان أول ساحة رئيسية لهذه الحرب، ثم جاء العراق عام 2003.
وبينما كانت الولايات المتحدة تقدم مبرراتها السياسية والعسكرية للتدخل، كانت المنطقة تدخل مرحلة طويلة من الاضطراب الذي سيغير موازين القوى لعقود.
سادساً: العراق 2003.. سقوط الدولة وتفكك موازين القوى
في مارس عام 2003، بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها غزو العراق، مستندين إلى اتهامات امتلاك نظام صدام حسين أسلحة دمار شامل، إضافة إلى مبررات أخرى تتعلق بالأمن الدولي ومكافحة الإرهاب.
سقط نظام صدام حسين خلال أسابيع، لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر تعقيداً وخطورة.
فقد دخل العراق مرحلة من الاضطراب السياسي والأمني، وتعرضت مؤسساته العسكرية والإدارية لتفكيك واسع.
وكان قرار حل الجيش العراقي واجتثاث حزب البعث من أبرز القرارات التي ساهمت في إضعاف مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية.
ثم ظهرت مجموعة من الأزمات:
- تصاعد الصراع الطائفي بين الجماعات المسلحة.
- تراجع سلطة الحكومة المركزية في مناطق واسعة.
- ظهور تنظيمات مسلحة متطرفة.
- تصاعد النفوذ الإيراني داخل العراق.
- تراجع قدرة الدولة على احتكار السلاح.
- تحول العراق إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي.
وفي عام 2014، تمكن تنظيم داعش من السيطرة على مساحات واسعة من العراق وسوريا، في واحدة من أخطر الأزمات الأمنية التي شهدتها المنطقة.
وهكذا تحول العراق من دولة تمتلك أحد أكبر الجيوش العربية إلى دولة تواجه تحديات معقدة تتعلق بالسيادة والسلاح والنفوذ الخارجي.
وهنا ظهرت المقارنة بين ما طرحه مقال ينون عام 1982 وما حدث في العراق بعد عام 2003.
لكن من الناحية التاريخية، لا يمكن اختزال سقوط العراق في وثيقة واحدة؛ فقد تداخلت قرارات الغزو والاحتلال، وأخطاء إدارة المرحلة الانتقالية، والصراعات الداخلية، والتدخلات الإقليمية.
سابعاً: السودان.. الانفصال الذي غير خريطة الدولة
يقدم السودان مثالاً آخر على التحولات الجذرية التي شهدتها المنطقة.
فبعد عقود من الحرب الأهلية بين شمال السودان وجنوبه، وُقعت اتفاقية السلام الشامل عام 2005، التي فتحت الطريق أمام استفتاء تقرير المصير.
وفي يناير 2011، صوت سكان جنوب السودان بأغلبية ساحقة لصالح الانفصال.
وفي يوليو من العام نفسه، أُعلنت دولة جنوب السودان المستقلة.
وبذلك أصبح السودان دولتين بعد أن كان أكبر دولة إفريقية من حيث المساحة قبل الانفصال.
لكن الاستقلال لم ينهِ الأزمات؛ إذ واجهت دولة جنوب السودان صراعات سياسية وعسكرية داخلية، بينما استمر السودان في مواجهة أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية.
ثم اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، لتدخل البلاد واحدة من أسوأ مراحلها الإنسانية والعسكرية.
ويكشف المسار السوداني أن تفكك الدول لا يعني بالضرورة الوصول إلى الاستقرار، بل قد يؤدي إلى نشوء أزمات جديدة أكثر تعقيداً.
ثامناً: ليبيا 2011.. من الدولة المركزية إلى صراع النفوذ
في عام 2011، اندلعت الانتفاضة الليبية ضد نظام معمر القذافي، ثم تدخل حلف شمال الأطلسي عسكرياً بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1973.
وانتهى حكم القذافي، لكن الدولة الليبية لم تتمكن من بناء نظام سياسي مستقر قادر على احتكار السلاح وإدارة المؤسسات.
وبدلاً من ذلك، دخلت البلاد في مرحلة من الانقسام السياسي والعسكري.
ظهرت حكومات ومؤسسات متنافسة، وانتشرت المجموعات المسلحة، وتحولت مناطق واسعة إلى ساحات للصراع بين قوى محلية مدعومة من أطراف إقليمية ودولية.
وأصبحت ليبيا مثالاً واضحاً على أن إسقاط النظام لا يعني بالضرورة بناء دولة جديدة مستقرة.
فقد امتلكت البلاد موارد نفطية كبيرة وموقعاً استراتيجياً مهماً، لكنها واجهت صعوبة بالغة في تحويل هذه الموارد إلى قوة وطنية موحدة.
تاسعاً: سوريا.. الحرب التي تحولت إلى صراع دولي على النفوذ
كانت سوريا من أهم الدول في الحسابات الاستراتيجية للشرق الأوسط.
فموقعها الجغرافي يربط تركيا بالعراق ولبنان والأردن وفلسطين، كما أنها تمثل حلقة مهمة في شبكة التحالفات الإقليمية.
وفي عام 2011، بدأت احتجاجات شعبية تحولت تدريجياً إلى صراع مسلح واسع النطاق.
ومع مرور الوقت، دخلت أطراف إقليمية ودولية متعددة إلى الساحة السورية.
فشاركت روسيا عسكرياً دعماً للنظام السوري، وتدخلت إيران وحلفاؤها، بينما دعمت الولايات المتحدة ودول أخرى قوى مختلفة، وركزت تركيا على أمن حدودها ومواجهة التنظيمات المسلحة التي تعتبرها تهديداً لها.
وتحولت سوريا إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الروسية والأمريكية والتركية والإيرانية والإسرائيلية والعربية.
وتراجعت سلطة الدولة المركزية على أجزاء واسعة من البلاد، وظهرت مناطق نفوذ متعددة.
وفي ديسمبر 2024، سقط نظام بشار الأسد بعد تقدم الفصائل المسلحة وسيطرتها على دمشق، لتدخل سوريا مرحلة انتقالية جديدة مليئة بالتحديات.
وكان سقوط النظام تحولاً تاريخياً أنهى عقوداً من حكم عائلة الأسد، لكنه لم يكن نهاية الأزمة السورية.
فالتحديات المتعلقة بوحدة الأراضي السورية، وبناء المؤسسات، وإعادة الإعمار، واحتكار السلاح، والعلاقات مع القوى الخارجية ظلت حاضرة بقوة.
وهنا تبدو المقارنة مع تصورات عام 1982 مثيرة للاهتمام، خصوصاً فيما يتعلق بمستقبل الدولة السورية ووحدتها.
عاشراً: لبنان.. الدولة التي تتقاطع داخلها الطوائف والقوى الإقليمية
منذ الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت عام 1975 وانتهت رسمياً باتفاق الطائف عام 1989، ظل لبنان يعاني من اختلالات بنيوية في نظامه السياسي.
يقوم النظام اللبناني على توازنات طائفية معقدة، تتوزع بموجبها المناصب السياسية الرئيسية بين مكونات المجتمع المختلفة.
ومع مرور الوقت، أصبحت هذه التوازنات جزءاً من معادلة سياسية يصعب تجاوزها.
كما تعزز دور حزب الله عسكرياً وسياسياً، وأصبح يمتلك قوة مسلحة مستقلة عن الجيش اللبناني، الأمر الذي جعل مسألة احتكار الدولة للسلاح من أكثر القضايا إثارة للجدل.
وتداخلت الأزمة اللبنانية مع الصراعات الإقليمية، خصوصاً الصراع بين إسرائيل وإيران.
وفي السنوات الأخيرة، تعرض لبنان لضغوط عسكرية واقتصادية وسياسية كبيرة، بينما أثرت المواجهات بين إسرائيل وحزب الله بصورة مباشرة في أمن البلاد واستقرارها.
ويكشف النموذج اللبناني كيف يمكن أن يؤدي ضعف مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة إلى جعل البلاد عرضة للتأثيرات الخارجية.
الحادي عشر: الصومال.. عقود من انهيار الدولة المركزية
منذ سقوط نظام محمد سياد بري عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من التفكك السياسي والحرب الأهلية.
انهارت مؤسسات الدولة المركزية، وظهرت سلطات محلية ومجموعات مسلحة متعددة.
كما برز تنظيم حركة الشباب المرتبط بتنظيم القاعدة، ليصبح أحد أبرز التهديدات الأمنية في منطقة القرن الإفريقي.
ورغم الجهود الدولية والإقليمية لإعادة بناء مؤسسات الدولة، لا يزال الصومال يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالأمن والسيادة والاستقرار السياسي.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية للصومال في موقعه المطل على خليج عدن والمحيط الهندي، وقربه من مضيق باب المندب والطرق البحرية الدولية.
وهذا الموقع يجعل استقرار الصومال قضية تتجاوز حدوده، وترتبط بأمن الملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
الثاني عشر: إيران.. الحلقة الأكثر تعقيداً في معادلة الشرق الأوسط
تختلف إيران عن الدول التي شهدت انهياراً أو تفككاً مؤسسياً خلال العقود الماضية.
فهي دولة تمتلك مؤسسات مركزية قوية، وقوات عسكرية متعددة، وبرنامجاً صاروخياً، وموارد بشرية واقتصادية كبيرة، إضافة إلى شبكة علاقات ونفوذ إقليمي.
لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة العقوبات الاقتصادية، والصراعات الإقليمية، والمواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وقد تعرضت شبكة حلفائها الإقليميين لتغيرات كبيرة، خصوصاً بعد الحرب في لبنان، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا عام 2024، والتحولات التي شهدتها الساحة الإقليمية.
كما أصبحت المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل عاملاً رئيسياً في تحديد مستقبل التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط.
لكن وصف إيران بأنها «الحلقة الأخيرة» في خطة مكتملة لتقسيم المنطقة يحتاج إلى دليل مستقل، ولا يمكن اعتباره حقيقة تاريخية لمجرد وجود تشابه بين بعض الأحداث والأفكار القديمة.
فإيران ليست مجرد دولة تنتظر مصير الدول الأخرى، بل تمتلك حساباتها الاستراتيجية الخاصة، وقدراتها العسكرية، وأدوات التأثير الإقليمي، ومصالحها المرتبطة بأمنها القومي.
والسؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الضغوط المتراكمة ستؤدي إلى تغيير سلوكها الاستراتيجي، أم إلى إعادة تشكيل توازنات المنطقة بصورة أكثر تعقيداً.
الثالث عشر: هل تحققت بالفعل خطة الحروب السبع؟
عند النظر إلى خريطة الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، نجد أن عدداً كبيراً من الدول تعرض لتغيرات عميقة.
العراق فقد جزءاً كبيراً من قوته العسكرية بعد الغزو الأمريكي.
ليبيا تحولت إلى دولة منقسمة سياسياً وعسكرياً.
سوريا دخلت حرباً طويلة وانتهى حكم عائلة الأسد عام 2024.
السودان انقسم إلى دولتين، ثم دخل في حرب داخلية جديدة.
لبنان ظل يعاني من الانقسامات السياسية والطائفية وتعدد مراكز القوة.
الصومال استمر في مواجهة آثار انهيار الدولة المركزية.
أما إيران، فأصبحت في قلب مواجهة إقليمية متصاعدة.
هذه الوقائع تجعل المقارنة مع الأفكار التي ظهرت في مقال ينون عام 1982 ووثيقة «الانفصال النظيف» عام 1996 أمراً يستحق البحث.
لكن هناك فرقاً جوهرياً بين ثلاثة أمور:
- وجود وثائق سياسية حقيقية تناقش إضعاف خصوم إسرائيل وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية.
- حدوث حروب وأزمات أدت فعلاً إلى إضعاف عدد من الدول العربية.
- إثبات وجود قيادة موحدة وخطة تنفيذية سرية واحدة أدارت كل تلك الحروب منذ عام 1982.
الأمران الأول والثاني يمكن دراستهما من خلال الوثائق والأحداث التاريخية، أما الثالث فيحتاج إلى أدلة مباشرة لا توفرها مجرد المقارنة بين النصوص والتطورات اللاحقة.
وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول القراءة الاستراتيجية إلى تفسير مبسط لكل ما حدث في المنطقة.
الرابع عشر: لماذا كانت الدول العربية عرضة لهذا المستوى من التفكك؟
لا يمكن تفسير انهيار بعض الدول العربية من خلال التدخل الخارجي وحده.
فهناك مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي تداخلت وأسهمت في صناعة الأزمات.
1. ضعف المؤسسات السياسية
عندما ترتبط الدولة بشخص الحاكم أو الحزب الواحد، تصبح مؤسساتها أكثر هشاشة عند حدوث أزمة سياسية أو انتقال مفاجئ للسلطة.
2. الانقسامات الاجتماعية والطائفية
استغلال الانقسامات المذهبية والعرقية يمكن أن يحول الخلافات الاجتماعية إلى صراعات سياسية وعسكرية طويلة.
3. التدخلات الخارجية
تدخل القوى الإقليمية والدولية لدعم أطراف محلية مختلفة يؤدي أحياناً إلى إطالة الصراعات وتحويلها إلى حروب بالوكالة.
4. ضعف الاقتصاد
الأزمات الاقتصادية والبطالة وتراجع الخدمات العامة تخلق بيئة يمكن أن تستغلها الجماعات المسلحة والقوى المتنافسة.
5. انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة
عندما تفقد الدولة احتكار القوة المسلحة، يصبح من الصعب فرض القانون وحماية الحدود وإدارة الصراعات الداخلية.
6. غياب مشروع إقليمي عربي مشترك
الخلافات السياسية بين الدول العربية أضعفت القدرة على بناء مواقف استراتيجية مشتركة تجاه التحديات الأمنية والاقتصادية.
وبالتالي، فإن تفكك الدول لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تفاعل بين أخطاء داخلية وصراعات إقليمية وتدخلات دولية.
الخامس عشر: ما الذي تكشفه الوثائق عن مستقبل الشرق الأوسط؟
تكشف وثيقة ينون ووثيقة «الانفصال النظيف» عن حقيقة مهمة في العلاقات الدولية، وهي أن الدول لا تتحرك دائماً وفق ردود الفعل على الأحداث فقط، بل تضع أيضاً تصورات طويلة المدى لمستقبل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.
وقد تتضمن هذه التصورات إضعاف الخصوم، وتغيير التحالفات، وإعادة توزيع النفوذ، والاستفادة من الانقسامات الداخلية.
ومن هنا، فإن دراسة هذه الوثائق لا ينبغي أن تكون بهدف إثبات أن كل حرب كانت مخططاً لها مسبقاً، بل لفهم الطريقة التي تفكر بها بعض النخب السياسية والاستراتيجية في أمنها ومصالحها.
أما مستقبل الشرق الأوسط، فسيتوقف على عدة عوامل رئيسية:
- قدرة الدول العربية على الحفاظ على وحدتها السياسية ومؤسساتها الوطنية.
- مستقبل المواجهة بين إسرائيل وإيران.
- طبيعة الدور الأمريكي في المنطقة.
- التحولات في السياسة الروسية والصينية تجاه الشرق الأوسط.
- مستقبل سوريا والعراق ولبنان والسودان وليبيا.
- قدرة الدول الإقليمية على بناء تفاهمات تمنع تحول الخلافات إلى حروب واسعة.
فالمنطقة لا تزال تمر بمرحلة إعادة تشكيل، وقد تحمل السنوات المقبلة تغيرات كبيرة في التحالفات وموازين القوى.
الخاتمة: هل قرأ العرب ما كُتب عن مستقبلهم؟
بعد مرور أكثر من أربعة عقود على نشر مقال عوديد ينون، وثلاثة عقود على ظهور وثيقة «الانفصال النظيف»، لا تزال الأفكار المتعلقة بإضعاف الدول وإعادة تشكيل الشرق الأوسط حاضرة في النقاشات السياسية والاستراتيجية.
لقد شهدت المنطقة حروباً غيرت حدود النفوذ، وأسقطت أنظمة، وأضعفت جيوشاً، ودفعت ملايين البشر إلى النزوح، وأدخلت دولاً بأكملها في أزمات طويلة.
وبينما يرى البعض في هذه الأحداث دليلاً على تنفيذ استراتيجية قديمة لتفتيت الشرق الأوسط، يرى آخرون أنها نتيجة تداخل عوامل داخلية وخارجية لا يمكن اختزالها في وثيقة واحدة.
والحقيقة أن قراءة الوثائق التاريخية وفهم المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى أمر ضروري، لكن الأهم هو عدم الاكتفاء بالبحث عن مخططات الآخرين، وإهمال الأسباب الداخلية التي جعلت بعض الدول أكثر عرضة للانهيار.
فالدولة القوية لا تقوم على امتلاك السلاح وحده، بل على مؤسسات مستقرة، واقتصاد قادر على الصمود، وجبهة داخلية متماسكة، وقرار سياسي مستقل.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على مستقبل المنطقة:
هل يستطيع الشرق الأوسط تجاوز مرحلة تفكك الدول وصراعات النفوذ، أم أن خريطة المنطقة لا تزال مفتوحة أمام حروب جديدة وتغييرات استراتيجية أكبر؟
هذا هو التحدي الحقيقي الذي ستواجهه الدول العربية في السنوات المقبلة.

تعليقات
إرسال تعليق