تتصاعد المخاوف من اتساع نطاق المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بعدما ظهرت تهديدات إيرانية باستهداف كابلات الإنترنت البحرية الممتدة في الخليج العربي ومضيق هرمز، في تطور قد ينقل الصراع من المواجهة العسكرية التقليدية إلى استهداف البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها الدول الحديثة في الاتصالات والتجارة والخدمات المالية والذكاء الاصطناعي.
وفي 23 أكتوبر 2026، أفادت وكالة رويترز، نقلًا عن مسؤولين أمنيين إيرانيين، بأن طهران أعدت خططًا لاستهداف كابلات الاتصالات البحرية في الخليج إذا شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات عسكرية جديدة ضد إيران. وأشار أحد المسؤولين إلى إمكانية عرقلة عمليات إصلاح الكابلات المتضررة بهدف إطالة أمد الانقطاعات.
وتأتي هذه التطورات بعد تصريحات لمسؤولين في الحرس الثوري الإيراني أشاروا فيها إلى وجود سبعة كابلات إنترنت رئيسية تحت مضيق هرمز، ولوّحوا بإمكانية استهدافها في حال تعرض البنية التحتية الإيرانية لهجمات جديدة.
لكن ماذا يعني تنفيذ هذه التهديدات؟ وهل تستطيع إيران قطع الإنترنت عن دول الخليج؟ وما حجم الأضرار المحتملة التي قد تصيب السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت؟ وهل يمكن أن يمتد التأثير إلى أوروبا وآسيا وبقية العالم؟
أولًا: لماذا تهدد إيران كابلات الإنترنت في مضيق هرمز؟
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، ويؤدي دورًا رئيسيًا في حركة صادرات الطاقة والتجارة البحرية.
غير أن أهمية المضيق لا تقتصر على ناقلات النفط والغاز، بل تمتد إلى البنية التحتية الرقمية التي تربط دول الخليج بشبكات الاتصالات الدولية.
فالكابلات البحرية المصنوعة من الألياف الضوئية تنقل كميات ضخمة من البيانات بين الدول والقارات، وتعتمد عليها شركات الاتصالات والبنوك والمنصات الرقمية ومراكز البيانات والخدمات السحابية.
وبحسب تقارير رويترز المنشورة في أكتوبر 2026، فإن التهديد الإيراني المحتمل يأتي ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى رفع تكلفة أي مواجهة عسكرية جديدة مع طهران، وتوسيع نطاق المخاطر التي قد تواجه الولايات المتحدة وحلفاءها الإقليميين.
وتسعى إيران، وفق هذا التقدير، إلى إيصال رسالة مفادها أن أي هجوم جديد عليها لن يقتصر تأثيره على المنشآت العسكرية أو القواعد الجوية، بل قد يمتد إلى المصالح الاقتصادية والتكنولوجية للدول المرتبطة بالصراع.
وتمنح هذه الاستراتيجية طهران وسيلة ضغط إضافية، لأن الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية الرقمية يمكن أن تؤثر في قطاعات اقتصادية متعددة، حتى عندما لا تكون تلك القطاعات جزءًا مباشرًا من العمليات العسكرية.
ومع ذلك، فإن إعداد خطط محتملة لاستهداف الكابلات لا يعني أن قرار قطعها قد اتُّخذ بالفعل، كما لا يعني أن جميع الكابلات الموجودة في المضيق معرضة للانقطاع في وقت واحد.
ثانيًا: ما كابلات الإنترنت البحرية؟ ولماذا تمثل هدفًا حساسًا؟
قد يعتقد كثيرون أن الإنترنت ينتقل أساسًا عبر الأقمار الصناعية أو أبراج الاتصالات، لكن الجزء الأكبر من حركة البيانات الدولية يمر عبر كابلات الألياف الضوئية الممتدة في قاع البحار والمحيطات.
وتنقل هذه الكابلات المعلومات بسرعات وسعات ضخمة، ما يجعلها العمود الفقري للاتصالات الدولية الحديثة.
وتستخدمها الشركات والمؤسسات في تشغيل مجموعة واسعة من الخدمات، من بينها:
- المكالمات الدولية ومكالمات الفيديو.
- التحويلات المصرفية والمدفوعات الإلكترونية.
- التجارة الإلكترونية والخدمات المالية.
- تخزين البيانات وتشغيل التطبيقات السحابية.
- مراكز البيانات ومنصات الذكاء الاصطناعي.
- الاتصالات الحكومية والتجارية بين الدول.
- خدمات الشركات العالمية التي تدير عملياتها في أكثر من دولة.
وتكمن حساسية هذه البنية التحتية في أن تعطل بعض المسارات قد يؤدي إلى تحويل حركة البيانات إلى مسارات بديلة، وهو ما قد يسبب ازدحامًا في الشبكات أو ارتفاعًا في زمن الاستجابة أو تراجعًا في جودة الخدمة.
أما إذا تعرضت عدة كابلات مهمة للتلف في الوقت نفسه، فقد تصبح البدائل المتاحة غير كافية لاستيعاب حجم البيانات المعتاد، خصوصًا في المناطق التي تعتمد بدرجة كبيرة على عدد محدود من المسارات الدولية.
وهنا تظهر خطورة التهديدات المتعلقة بمضيق هرمز، إذ لا تتعلق المسألة بكابل واحد فقط، بل بمدى قدرة الشبكات الإقليمية على الاستمرار في العمل إذا تضررت عدة وصلات بحرية في وقت متقارب.
ثالثًا: هل تستطيع إيران قطع الإنترنت عن العالم؟
رغم خطورة التهديدات، فإن القول إن إيران تستطيع إيقاف الإنترنت العالمي بمجرد استهداف كابلات مضيق هرمز سيكون مبالغة لا تدعمها البيانات المتاحة.
فبحسب تقديرات شركة TeleGeography التي نقلتها رويترز في أكتوبر 2026، تمر عبر مضيق هرمز نسبة تقل عن 1% من إجمالي سعة النطاق الترددي الدولي المستخدمة عالميًا.
وهذا يعني أن التأثير العالمي المباشر المحتمل لاستهداف الكابلات في هذا الممر سيكون محدودًا نسبيًا مقارنة بالتأثير الذي قد تتعرض له دول الخليج والمنطقة المحيطة.
ومع ذلك، لا تعني هذه النسبة أن الأضرار ستكون بسيطة، لأن أهمية الكابل لا تُقاس فقط بحجم البيانات التي ينقلها على مستوى العالم، وإنما أيضًا بالدول والشركات التي تعتمد عليه ومدى توفر المسارات البديلة لديها.
فقد تتعرض منطقة جغرافية محددة لاضطرابات كبيرة، بينما تستمر شبكات الإنترنت في قارات أخرى بالعمل بصورة طبيعية نسبيًا.
كما أن الإنترنت ليس شبكة واحدة تمر عبر مسار وحيد، بل منظومة مترابطة من شبكات الاتصالات والكابلات البرية والبحرية ومراكز البيانات ونقاط تبادل حركة الإنترنت.
وبالتالي، فإن قطع بعض الكابلات في مضيق هرمز لا يعني اختفاء الإنترنت من العالم، لكنه قد يسبب أزمة اتصال إقليمية متفاوتة الشدة، وفق حجم الضرر وقدرة الشركات على إعادة توجيه البيانات.
وتختلف النتائج كذلك بحسب ما إذا كان الاستهداف سيطال كابلًا واحدًا، أو عدة كابلات، أو سيتزامن مع أضرار أخرى تصيب مراكز البيانات أو البنية التحتية للاتصالات.
رابعًا: ما الدول الأكثر عرضة لتداعيات قطع الكابلات؟
تختلف درجة تعرض الدول لأي انقطاع محتمل باختلاف مسارات الكابلات التي تستخدمها، ومدى اعتمادها على البنية التحتية البحرية الموجودة في الخليج، وتوفر اتصالات برية بديلة.
1. السعودية
تتمتع السعودية بموقع جغرافي يمنحها فرصًا لبناء مسارات اتصال متعددة، نظرًا إلى امتداد أراضيها بين الخليج العربي والبحر الأحمر، إضافة إلى ارتباطها بشبكات اتصالات إقليمية ودولية.
ويمكن للوصلات البرية والمسارات البحرية الأخرى أن تساعد في استمرار حركة البيانات إذا تعرضت بعض الكابلات الموجودة في الخليج للتلف.
لكن ذلك لا يعني أن المملكة ستكون بمنأى عن التأثيرات المحتملة، خصوصًا إذا تضررت عدة وصلات في وقت واحد أو تعرضت المسارات البديلة لضغط يفوق طاقتها.
وقد تظهر التأثيرات، بحسب حجم الانقطاع، في صورة بطء في الوصول إلى بعض الخدمات الدولية، أو ارتفاع زمن الاستجابة، أو اضطرابات في خدمات الشركات التي تعتمد على مسارات محددة.
ومن المهم التمييز بين تعطل الإنترنت بالكامل وبين تراجع جودة الاتصال ببعض الوجهات الدولية؛ فهما حالتان مختلفتان من حيث الحجم والتأثير.
2. الإمارات العربية المتحدة
تُعد الإمارات من المراكز الإقليمية المهمة لقطاع الاتصالات والخدمات السحابية ومراكز البيانات.
وتعتمد قطاعات واسعة من اقتصادها على الاتصال المستمر بالأسواق العالمية، بما في ذلك الخدمات المالية والتجارة الإلكترونية والطيران والخدمات الرقمية.
وإذا تعرضت عدة كابلات بحرية للتلف، فقد تواجه بعض الشبكات الإماراتية ضغطًا إضافيًا نتيجة إعادة توجيه البيانات إلى مسارات أخرى.
كما أن أي اضطرابات متزامنة في مراكز البيانات أو البنية التحتية السحابية قد تزيد من التأثير الاقتصادي، لأن استمرار الخدمات الرقمية لا يعتمد على الكابلات وحدها، بل على منظومة متكاملة من الاتصالات والطاقة والتشغيل.
3. قطر والبحرين والكويت
قد تكون الدول التي تعتمد على عدد محدود نسبيًا من مسارات الاتصال الدولية أكثر حساسية تجاه تعطل الكابلات القريبة من الخليج.
وتشير المعلومات التي نقلتها رويترز إلى أن البحرين وقطر والكويت تمتلك اتصالات برية عبر السعودية، كما ترتبط الكويت باتصال بري مع العراق.
وتساعد هذه الروابط في توفير بدائل عند تعطل بعض الكابلات البحرية، لكنها لا تضمن استيعاب كامل حركة البيانات إذا تضررت عدة مسارات في الوقت نفسه.
وقد تواجه بعض الخدمات ازدحامًا أو بطئًا أو انقطاعات جزئية، وفق قدرة الشبكات البرية والبحرية المتبقية على تحمل الضغط الإضافي.
ولا يمكن الجزم بأن جميع مستخدمي الإنترنت في هذه الدول سيتأثرون بالدرجة نفسها، لأن شركات الاتصالات تختلف في مسارات الربط وسعات الشبكات وترتيبات الاستمرارية لديها.
4. عُمان
تكتسب عُمان أهمية استراتيجية بسبب موقعها على بحر العرب وقربها من مضيق هرمز، فضلًا عن دورها في شبكات الربط البحري الإقليمية والدولية.
ويمكن للمسارات التي تتصل ببحر العرب والمحيط الهندي أن توفر خيارات بديلة لبعض حركة البيانات، بحسب مواقع الإنزال والتوصيلات المتاحة وسعاتها التشغيلية.
لكن وجود مسارات بديلة لا يلغي المخاطر إذا تضررت وصلات متعددة أو أصبحت عمليات الصيانة والإصلاح صعبة بسبب الأوضاع الأمنية في المنطقة.
خامسًا: ماذا يحدث للاقتصاد إذا تعطلت كابلات الإنترنت؟
قد يتجاوز تأثير قطع الكابلات مجرد بطء تصفح المواقع أو تعطل تطبيقات التواصل الاجتماعي، ليصل إلى قطاعات اقتصادية تعتمد على تبادل البيانات بصورة مستمرة.
القطاع المصرفي والتحويلات المالية
تعتمد المصارف وشركات الدفع على شبكات اتصالات موثوقة لتبادل البيانات والتحقق من المعاملات وتشغيل الأنظمة المرتبطة بالأسواق الدولية.
وإذا تعرضت بعض مسارات الاتصال للانقطاع، فقد تتباطأ معاملات محددة أو تواجه بعض المؤسسات صعوبات في الوصول إلى خدماتها الخارجية.
لكن هذا لا يعني أن جميع الأموال أو الحسابات المصرفية ستصبح غير متاحة؛ فأنظمة الدفع والمصارف تمتلك بنى تقنية متعددة، ويعتمد حجم التأثير على تصميم كل مؤسسة والأنظمة التي تستخدمها.
التجارة الإلكترونية
تحتاج المتاجر الإلكترونية إلى اتصال مستمر بخدمات الدفع والاستضافة وإدارة الطلبات والمخزون والشحن.
وقد يؤدي تراجع الاتصال ببعض الخدمات الخارجية إلى بطء المواقع أو تعطل أجزاء من عمليات الشراء، ما قد يؤثر في المبيعات والإيرادات إذا استمرت الاضطرابات.
الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية
تتزايد أهمية هذا الجانب مع توسع الاستثمارات في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي في دول الخليج.
وتعتمد بعض التطبيقات على نقل البيانات بين مراكز بيانات موزعة في دول مختلفة، كما تعتمد الشركات على خدمات الحوسبة السحابية والتخزين والنسخ الاحتياطي.
ومن ثم، قد تؤدي اضطرابات الاتصالات الدولية إلى تراجع أداء بعض التطبيقات أو صعوبة الوصول إلى خدمات معينة، خاصة إذا تزامن انقطاع الكابلات مع مشكلات في مراكز البيانات أو البنية التحتية الأخرى.
شركات الطيران والسياحة
تستخدم شركات الطيران والفنادق ووكالات السفر أنظمة إلكترونية للحجوزات والدفع وإدارة العمليات.
وقد تتأثر بعض هذه الخدمات إذا فقدت الاتصال بمزوديها الخارجيين، لكن التأثير لن يكون بالضرورة شاملًا، إذ تمتلك المؤسسات أنظمة احتياطية تختلف من شركة إلى أخرى.
سادسًا: لماذا تهدد إيران بمنع إصلاح الكابلات؟
من أخطر الجوانب في التصريحات الإيرانية الحديث عن منع إصلاح الكابلات بعد استهدافها.
فالأضرار التي تصيب الكابلات البحرية لا تعني بالضرورة استمرار الانقطاع لفترة طويلة، لأن الشركات المتخصصة تستطيع إرسال سفن إصلاح مجهزة لتحديد موقع العطل ومعالجته.
لكن عمليات الإصلاح تصبح أكثر صعوبة عندما تقع الأعطال داخل منطقة تشهد عمليات عسكرية أو مخاطر أمنية مرتفعة.
وتحتاج سفن الإصلاح إلى الوصول الآمن إلى موقع الضرر، كما قد تتطلب الأعمال تصاريح وترتيبات بحرية وتأمينًا مناسبًا.
وفي أجواء الحرب، يمكن أن تؤدي المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين والقيود المفروضة على الملاحة إلى تأخير وصول السفن أو تنفيذ الإصلاحات.
وتشير الخبرات السابقة إلى أن إصلاح الكابلات في مناطق النزاع قد يستغرق شهورًا في بعض الحالات؛ فقد استغرق إصلاح ثلاثة كابلات تضررت في البحر الأحمر عام 2024 نحو ستة أشهر وفق المعلومات التي نقلتها تقارير متخصصة عن TeleGeography.
ولا يعني ذلك أن كل عطل في مضيق هرمز سيستمر المدة نفسها، لأن زمن الإصلاح يعتمد على طبيعة الضرر وموقعه والظروف الأمنية وتوفر سفن الإصلاح.
لكن تعمد منع الوصول إلى مواقع الأعطال قد يحول مشكلة فنية قابلة للإصلاح إلى أزمة اتصالات طويلة الأمد.
سابعًا: هل يمكن تعويض الكابلات البحرية بالأقمار الصناعية؟
قد يبدو استخدام الأقمار الصناعية حلًا مباشرًا عند تعطل الكابلات البحرية، إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا.
فالأقمار الصناعية، بما فيها شبكات المدار الأرضي المنخفض، يمكن أن توفر اتصالًا مهمًا في حالات الطوارئ والمناطق التي تفتقر إلى البنية التحتية الأرضية.
لكنها لا تستطيع حاليًا أن تحل محل السعة الهائلة التي توفرها كابلات الألياف الضوئية لنقل حركة البيانات الدولية بالكامل، كما تختلف تكلفتها وسعتها وزمن الاستجابة بحسب التقنية المستخدمة.
ويمكن استخدام الاتصالات الفضائية لدعم بعض الخدمات الحيوية أو توفير اتصال احتياطي للمؤسسات والمواقع المحددة، لكنها ليست بديلًا شاملًا يمكنه استيعاب كل حركة الإنترنت التي تمر عبر الكابلات المتضررة.
ولهذا السبب، تعتمد خطط استمرارية الاتصالات عادةً على مزيج من الكابلات البحرية والروابط البرية والمسارات الدولية المتنوعة، مع الاستفادة من الأقمار الصناعية عند الحاجة.
ثامنًا: هل يمكن أن يمتد التهديد الإيراني إلى البحر الأحمر؟
يمثل البحر الأحمر ممرًا مهمًا آخر لحركة البيانات الدولية، إذ تمر عبره مسارات تربط أجزاء من أوروبا وآسيا وشرق أفريقيا.
وتكمن أهميته في أن بعض الكابلات الموجودة فيه تؤدي دورًا رئيسيًا في نقل حركة الاتصالات بين هذه المناطق.
وقد أشارت تحليلات نقلتها رويترز إلى أن تعطل المسارات في البحر الأحمر يمكن أن يحمل تداعيات أوسع على بعض طرق الاتصال بين القارات مقارنة بالأثر العالمي المباشر المتوقع من استهداف كابلات مضيق هرمز وحده.
ومع ذلك، يجب التمييز بين تقييم المخاطر وبين وجود خطة مؤكدة لاستهداف هذه الكابلات.
فلا توجد ضرورة منطقية لاعتبار التهديدات الموجهة إلى كابلات الخليج دليلًا على أن إيران قررت توسيع الاستهداف إلى البحر الأحمر، كما أن الحديث عن احتمال تدخل أطراف حليفة لطهران لا يثبت وجود عملية مخطط لها.
لكن التطورات في البحر الأحمر والخليج تبرز أهمية حماية البنية التحتية الرقمية البحرية باعتبارها جزءًا من أمن التجارة والاتصالات الدولية.
تاسعًا: ما الأهداف السياسية والاستراتيجية المحتملة لإيران؟
يمكن قراءة التهديدات الإيرانية من خلال عدة أهداف محتملة، مع التأكيد أن هذه قراءة تحليلية وليست دليلًا قاطعًا على نيات القيادة الإيرانية النهائية.
1. ردع الولايات المتحدة وإسرائيل
قد تسعى طهران إلى رفع تكلفة أي هجوم عسكري جديد عبر توسيع نطاق المخاطر لتشمل البنية التحتية الاقتصادية والتكنولوجية.
وكلما زادت المخاوف من امتداد الصراع إلى قطاعات مدنية واقتصادية، ازدادت الضغوط السياسية والاقتصادية المطالبة بتجنب التصعيد.
2. الضغط على دول الخليج
تعتمد اقتصادات الخليج على استقرار الاتصالات والطاقة والتجارة والاستثمارات الدولية.
وقد يؤدي التهديد باستهداف الكابلات إلى زيادة المخاوف لدى الحكومات والشركات، خصوصًا المؤسسات التي تخطط لاستثمارات كبيرة في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يتحول التهديد إلى أداة ضغط سياسي حتى قبل تنفيذه.
3. توسيع مفهوم الردع
تقليديًا، ارتبط الردع العسكري بالقدرات الصاروخية والجوية والبحرية والقوات البرية.
أما اليوم، فقد أصبح استهداف البنية التحتية الرقمية والطاقة والاتصالات جزءًا من النقاشات الأمنية المتعلقة بالحروب الحديثة.
ويعكس التلويح بكابلات الإنترنت محاولة لإظهار أن تداعيات الصراع يمكن أن تصل إلى قطاعات مدنية بعيدة عن ساحات القتال المباشرة.
4. التأثير في الشركات العالمية
تستثمر شركات التكنولوجيا العالمية في مراكز البيانات والخدمات السحابية والاتصالات في منطقة الخليج.
ويمكن للتهديدات التي تطال هذه الاستثمارات أن تزيد المخاوف المتعلقة بالتأمين وتكاليف التشغيل واستمرارية الأعمال، وأن تدفع الشركات إلى المطالبة بتقليل المخاطر الجيوسياسية.
عاشرًا: هل يشكل قطع كابلات الإنترنت تصعيدًا خطيرًا في القانون الدولي؟
تخضع الكابلات البحرية لأطر قانونية دولية، من أبرزها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، إلى جانب قواعد واتفاقيات أخرى تتعلق بحماية الكابلات البحرية والاتصالات الدولية.
وتختلف المسائل القانونية بحسب موقع الكابل والمياه التي يمر عبرها وطبيعة العملية والجهة المسؤولة عنها والظروف التي يجري فيها الاستهداف.
وفي حالات النزاع المسلح، تبرز كذلك قواعد القانون الدولي الإنساني، بما فيها المبادئ المتعلقة بالتمييز والتناسب والاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين والأعيان المدنية.
ولا يمكن إصدار حكم قانوني نهائي على عملية افتراضية من دون معرفة تفاصيلها، لكن استهداف بنية تحتية مدنية يمكن أن تقدم خدمات حيوية للسكان يثير أسئلة جدية بشأن المشروعية القانونية وحجم الأضرار المتوقعة.
كما أن تعمد تعطيل عمليات الإصلاح قد يزيد من مدة الضرر الذي يلحق بالمستخدمين والمؤسسات المدنية.
وتحتاج حماية الكابلات البحرية إلى تعاون دولي بين الحكومات وشركات الاتصالات والجهات المشغلة لسفن الإصلاح، لأن هذه الشبكات تعبر الحدود وتخدم دولًا متعددة.
الحادي عشر: ما السيناريوهات المحتملة إذا تصاعدت الأزمة؟
يمكن تصور عدة سيناريوهات، لكن لا يمكن الجزم بأي منها قبل ظهور تطورات فعلية.
السيناريو الأول: استمرار التهديدات دون تنفيذ
قد تستخدم إيران التهديدات المتعلقة بالكابلات كجزء من سياسة الردع والضغط السياسي، من دون تنفيذ هجمات مباشرة عليها.
وفي هذه الحالة، قد تكون التأثيرات الأبرز في ارتفاع المخاوف الأمنية وتكاليف التأمين وزيادة الاهتمام بحماية البنية التحتية الرقمية.
السيناريو الثاني: تضرر كابل واحد أو عدد محدود من الكابلات
قد يؤدي تضرر عدد محدود من الكابلات إلى تحويل حركة البيانات إلى مسارات بديلة.
وإذا كانت السعة الاحتياطية كافية، فقد لا يلاحظ معظم المستخدمين تأثيرًا كبيرًا، بينما قد تواجه بعض الشبكات أو الخدمات بطئًا أو اضطرابات محدودة.
السيناريو الثالث: تضرر عدة كابلات في وقت واحد
يُعد هذا السيناريو أكثر خطورة على الاتصالات الإقليمية، لأن تعدد الأعطال قد يقلل قدرة المسارات البديلة على استيعاب حركة البيانات.
وقد يؤدي ذلك إلى اضطرابات أوسع في بعض الدول والخدمات، مع اختلاف حجم الضرر بحسب بنية الشبكات لدى شركات الاتصالات.
السيناريو الرابع: تعطل الكابلات مع تأخير إصلاحها
إذا تزامن الضرر مع منع الوصول إلى مواقع الأعطال أو ارتفاع المخاطر الأمنية، فقد تستمر الاضطرابات لفترة أطول.
ويمكن أن تتحول الأزمة عندها من حادث اتصالات مؤقت إلى تحدٍ اقتصادي وتشغيلي يتطلب إعادة توزيع حركة البيانات والاعتماد على مسارات بديلة لفترة ممتدة.
السيناريو الخامس: توسيع المواجهة إلى البنية التحتية الرقمية الأخرى
قد يؤدي اتساع الصراع إلى مخاطر إضافية تتعلق بمراكز البيانات أو خدمات الحوسبة السحابية أو شبكات الطاقة والاتصالات.
لكن هذا السيناريو يظل احتمالًا تحليليًا، ولا يجوز التعامل معه باعتباره قرارًا مؤكدًا أو نتيجة حتمية للتهديدات الحالية.
الثاني عشر: كيف تستعد دول الخليج لمواجهة هذا الخطر؟
تتطلب حماية الإنترنت الإقليمي استراتيجية طويلة الأمد لا تعتمد على مسار واحد أو وسيلة اتصال واحدة.
ومن أبرز الإجراءات التي يمكن أن تقلل المخاطر:
تنويع مسارات الاتصال الدولية: زيادة الربط عبر الكابلات البحرية والبرية التي تمر بمناطق جغرافية مختلفة، لتجنب الاعتماد المفرط على ممر واحد.
رفع السعة الاحتياطية: التأكد من أن المسارات البديلة قادرة على استيعاب نسبة أكبر من حركة البيانات عند حدوث أعطال متزامنة.
تعزيز التعاون الإقليمي: تنسيق الجهود بين الدول وشركات الاتصالات لتبادل المعلومات بشأن الأعطال وتسهيل عمليات الإصلاح في حالات الطوارئ.
تطوير خطط الاستمرارية: وضع إجراءات مسبقة لإعادة توجيه البيانات والحفاظ على الخدمات المالية والصحية والحكومية الأساسية.
حماية مراكز البيانات: تعزيز الأمن المادي والسيبراني وتوفير الطاقة الاحتياطية وخطط التعافي من الكوارث.
تسريع إجراءات الإصلاح: التعاون مع الجهات البحرية وشركات التأمين لتسهيل وصول سفن الإصلاح إلى المواقع المتضررة عندما تسمح الظروف الأمنية بذلك.
ولا تقتصر أهمية هذه الإجراءات على مواجهة إيران أو أي تهديد عسكري محدد، بل تشمل أيضًا الأعطال الطبيعية والحوادث البحرية والهجمات السيبرانية والكوارث التي قد تؤثر في البنية التحتية الرقمية.
الخلاصة: هل تتحول كابلات الإنترنت إلى سلاح في المواجهة مع إيران؟
تكشف التهديدات الإيرانية المتعلقة بكابلات الإنترنت البحرية في مضيق هرمز عن اتساع مفهوم الصراع في الشرق الأوسط، بحيث لم تعد المخاطر تقتصر على النفط والملاحة والقواعد العسكرية، بل أصبحت تشمل البنية التحتية الرقمية التي يعتمد عليها الاقتصاد الحديث.
وتشير التقارير المنشورة في أكتوبر 2026 إلى أن طهران أعدت خططًا محتملة لاستهداف كابلات الاتصالات البحرية في الخليج إذا تجددت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية عليها، مع التلويح بإمكانية عرقلة عمليات الإصلاح.
ومع ذلك، فإن قطع هذه الكابلات لن يؤدي تلقائيًا إلى انقطاع الإنترنت عن العالم بأكمله، إذ تمر نسبة محدودة من سعة النطاق الترددي الدولي عبر مضيق هرمز، كما توجد مسارات برية وبحرية أخرى يمكن استخدامها بدرجات متفاوتة.
أما الخطر الأكبر فيتمثل في احتمال تضرر عدة كابلات بالتزامن مع تعذر إصلاحها بسرعة، الأمر الذي قد يسبب اضطرابات كبيرة في الاتصالات الإقليمية ويؤثر في الخدمات المصرفية والتجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية.
وفي النهاية، سيعتمد حجم التأثير على طبيعة الهجمات المحتملة وعدد الكابلات المتضررة وقدرة شركات الاتصالات على إعادة توجيه حركة البيانات، إضافة إلى مدة تعطل عمليات الإصلاح.
وبين التهديد والتنفيذ، يبقى تنويع مسارات الاتصال وحماية البنية التحتية الرقمية وتعزيز التعاون الإقليمي من أهم الوسائل لتقليل مخاطر تحول مضيق هرمز من نقطة اختناق للطاقة إلى مصدر اضطراب للاتصالات الدولية.

تعليقات
إرسال تعليق