في أواخر عام 1979، دخلت القوات السوفيتية أفغانستان وهي تعتقد أن التدخل العسكري قادر على حماية نفوذ موسكو وإعادة تثبيت حليفها في كابول. لم تكن القيادة السوفيتية تتوقع أن تتحول العملية إلى حرب طويلة تستنزف القوات والموارد، وتعمّق الخلافات داخل المجتمع السوفيتي، وتصبح واحدة من التجارب العسكرية والسياسية الأكثر تأثيرًا في السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفيتي.
وبعد أكثر من أربعة عقود، عادت روسيا إلى حرب واسعة النطاق في محيطها الجغرافي، عندما بدأت غزوها الشامل لأوكرانيا في 24 فبراير 2022. وتحوّل الرهان على تحقيق أهداف عسكرية سريعة إلى صراع طويل تتداخل فيه المعارك البرية والهجمات الصاروخية والحرب الاقتصادية والدعم العسكري الغربي لكييف.
ومن هنا ظهرت المقارنة بين التجربتين: هل يمكن أن تتحول أوكرانيا إلى نسخة جديدة من المستنقع الأفغاني؟ وهل يؤدي الاستنزاف العسكري والاقتصادي إلى إضعاف النظام الروسي، كما أسهمت عوامل متعددة في إضعاف الاتحاد السوفيتي خلال الثمانينيات؟
الإجابة لا يمكن اختصارها في القول إن روسيا ستنهار حتمًا، أو إن التاريخ يعيد نفسه بالطريقة ذاتها. فالفرق كبير بين الاتحاد السوفيتي، الذي كان اتحادًا يضم جمهوريات متعددة ويحمل مشروعًا أيديولوجيًا عالميًا، وروسيا الحالية، التي تمتلك مؤسساتها وحدودها واقتصادها ونظامها السياسي الخاص.
لكن التجربتين تلتقيان عند سؤال استراتيجي بالغ الأهمية: ماذا يحدث عندما تدخل قوة كبرى حربًا طويلة، ثم تجد أن الخروج منها أصعب مما كان متوقعًا؟
لفهم هذا السؤال، لا بد من العودة إلى الحرب الأفغانية، وتتبع أسباب تراجع الاتحاد السوفيتي، ثم مقارنة تلك التجربة بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى مخاطر التفكك الداخلي ومستقبل الترسانة النووية الروسية.
الفصل الأول: الغزو السوفيتي لأفغانستان.. البداية التي تحولت إلى مأزق طويل
لماذا دخل السوفييت أفغانستان عام 1979؟
لم يبدأ التدخل السوفيتي في أفغانستان من فراغ. فقد شهدت البلاد اضطرابات سياسية حادة بعد وصول الحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني إلى السلطة في انقلاب أبريل 1978، المعروف باسم ثورة ثور.
حاولت القيادة الجديدة تنفيذ تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية واسعة في مجتمع شديد التنوع، تسوده الروابط القبلية والدينية والمحلية، وأدى أسلوب تنفيذ بعض الإصلاحات والقمع السياسي إلى تصاعد المعارضة والتمرد المسلح في مناطق مختلفة.
وفي الوقت نفسه، تصاعد الصراع داخل قيادة الحزب الحاكم، وبرز الخلاف بين نور محمد تراقي وحفيظ الله أمين. وبعد إزاحة تراقي ووفاته عام 1979، ازدادت مخاوف موسكو من فقدان السيطرة على مسار الأحداث في كابول.
كانت القيادة السوفيتية تخشى انهيار الحكومة الحليفة لها، واتساع نفوذ قوى معادية، وتأثير ذلك في أمن الجمهوريات السوفيتية الواقعة في آسيا الوسطى.
وفي أواخر ديسمبر 1979، دخلت القوات السوفيتية أفغانستان، ونفذت قوات خاصة عملية اقتحام قصر تاج بيك، التي عُرفت باسم «العاصفة 333»، وقُتل حفيظ الله أمين خلال العملية، ثم دعمت موسكو وصول قيادة جديدة إلى السلطة.
اعتقدت القيادة السوفيتية أن التدخل سيعيد ترتيب الوضع السياسي والعسكري، ويحافظ على الحكومة الحليفة لها، لكن تطورات الحرب أثبتت أن السيطرة على العاصمة لا تعني السيطرة على البلاد.
لماذا لم تتحول القوة العسكرية إلى نصر سريع؟
كانت أفغانستان بيئة صعبة أمام جيش نظامي يعتمد على التفوق في الأسلحة الثقيلة والطيران والمركبات المدرعة.
فالجبال الوعرة والوديان والقرى المتباعدة جعلت العمليات البرية معقدة، في حين تمكنت مجموعات المقاومة من الاستفادة من معرفة الأرض والتحرك عبر مناطق يصعب مراقبتها باستمرار.
كما لم يكن التمرد قوة موحدة ذات قيادة سياسية وعسكرية واحدة؛ بل ضم فصائل متعددة اختلفت في توجهاتها ومصالحها، لكنها اشتركت في مقاومة الوجود السوفيتي والحكومة المدعومة من موسكو.
وكلما توسعت العمليات العسكرية، ازدادت الحاجة إلى الإمدادات والجنود والتمويل، فيما ظل الوصول إلى تسوية سياسية مقبولة أمرًا صعبًا.
وهكذا دخل الجيش السوفيتي حربًا لم تكن نتائجها مرتبطة فقط بالقدرة على احتلال المواقع أو السيطرة على الطرق، بل بمدى القدرة على فرض نظام سياسي مستقر في بلد يشهد تمردًا واسعًا.
الفصل الثاني: عملية إعصار.. كيف تحولت أفغانستان إلى ساحة صراع دولي؟
لم تكن الحرب الأفغانية مواجهة بين الجيش السوفيتي والمقاومة المحلية وحدهما. فقد أصبحت البلاد إحدى ساحات الحرب الباردة، حيث رأت الولايات المتحدة وحلفاؤها أن دعم المقاتلين الأفغان يمكن أن يرفع كلفة التدخل السوفيتي.
أطلقت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية برنامجًا سريًا لدعم المقاومة، عُرف باسم «عملية إعصار» (Operation Cyclone)، وتولت باكستان دورًا رئيسيًا في تمرير جانب كبير من المساعدات وتوزيعها على الفصائل الأفغانية.
وشملت المساعدات التمويل والأسلحة والتدريب والدعم اللوجستي، مع مشاركة أطراف إقليمية ودولية أخرى بدرجات مختلفة.
وكان الهدف الاستراتيجي الأمريكي إضعاف قدرة موسكو على تحقيق أهدافها في أفغانستان، ورفع تكلفة استمرار الوجود العسكري السوفيتي.
صواريخ ستينغر وتغير الحسابات العسكرية
في منتصف الثمانينيات، حصلت فصائل من المقاومة الأفغانية على صواريخ «ستينغر» الأمريكية المحمولة على الكتف، التي ساعدت على تهديد الطائرات والمروحيات السوفيتية المنخفضة الارتفاع.
لم تكن هذه الصواريخ وحدها سبب تعثر الجيش السوفيتي، لكنها أضافت تحديًا مهمًا إلى العمليات الجوية، وفرضت تغييرات في أساليب الطيران والحماية والتخطيط العسكري.
وأصبحت كلفة الحرب مرتبطة بعوامل متعددة: خسائر الجنود، ونفقات العمليات، وصيانة المعدات، والحاجة إلى الإمدادات المستمرة، إضافة إلى صعوبة تحقيق حسم سياسي وعسكري.
وتوضح الوثائق التاريخية التي نشرها أرشيف الأمن القومي الأمريكي أن مسألة الانسحاب السوفيتي ارتبطت أيضًا بمفاوضات دولية وحسابات سياسية، ولم تكن مجرد نتيجة لمعركة عسكرية واحدة.
بدأت موسكو تتجه نحو إنهاء تدخلها قبل اكتمال الانسحاب، الذي انتهى في 15 فبراير 1989. لكن خروج الجيش السوفيتي لم ينهِ الحرب الأهلية الأفغانية، ولم يضمن استقرار البلاد. .
كم كانت الخسائر السوفيتية؟
تُقدّر الخسائر العسكرية السوفيتية بنحو 15 ألف قتيل خلال الحرب، وفق الأرقام الرسمية المتداولة، إضافة إلى عشرات الآلاف من الجرحى والمرضى والمتضررين من العمليات العسكرية.
لكن الأثر لم يكن عسكريًا فقط. فقد عادت أعداد من الجنود إلى بلادهم وهم يحملون تجارب الحرب وآثارها النفسية والاجتماعية، بينما أصبحت الخسائر البشرية موضوعًا حساسًا في مجتمع كان يتلقى في البداية معلومات محدودة عن حجم الحرب وتكاليفها.
ومع مرور السنوات، تحولت أفغانستان إلى رمز لصعوبة فرض نتائج سياسية مستقرة بالقوة العسكرية وحدها.
ومع ذلك، لم يسقط الاتحاد السوفيتي مباشرة بعد الانسحاب؛ فقد استمرت الحكومة المدعومة من موسكو في أفغانستان حتى عام 1992، بينما استمرت مؤسسات الدولة السوفيتية نفسها حتى نهاية عام 1991.
وهذه نقطة مهمة: الحرب الأفغانية كانت عاملًا في أزمة أوسع، وليست تفسيرًا وحيدًا لانهيار الاتحاد السوفيتي.
الفصل الثالث: لماذا تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991؟
اقتصاد يعاني من اختلالات متراكمة
في سنواته الأخيرة، واجه الاتحاد السوفيتي مشكلات اقتصادية عميقة، شملت ضعف الإنتاجية، واختلالات التخطيط المركزي، ونقص بعض السلع الاستهلاكية، وتراجع الكفاءة في قطاعات مختلفة.
كما واجهت الدولة تكاليف عسكرية كبيرة، إلى جانب التزاماتها الدولية ونفقات إدارة اتحاد واسع جغرافيًا وسكانيًا.
لكن من الخطأ تفسير الأزمة الاقتصادية بالحرب الأفغانية وحدها؛ فقد سبقتها مشكلات هيكلية طويلة الأمد، وازدادت حدتها بفعل قرارات اقتصادية وسياسية وتغيرات في البيئة الدولية.
تشيرنوبيل وأزمة الثقة
في 26 أبريل 1986، وقع انفجار في مفاعل تشيرنوبيل النووي داخل أوكرانيا، التي كانت آنذاك إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي.
كشفت الكارثة مشكلات في السلامة النووية والاستجابة الحكومية وإدارة المعلومات، وأصبحت رمزًا لأزمة الثقة بين الدولة وقطاعات من المجتمع.
وجاءت الحادثة في فترة كان فيها ميخائيل غورباتشوف يدفع نحو إصلاحات سياسية واقتصادية، شملت «البيريسترويكا» و«الغلاسنوست»، أي إعادة الهيكلة والانفتاح النسبي.
هدفت الإصلاحات إلى معالجة مشكلات النظام، لكنها ساهمت أيضًا في فتح المجال أمام نقاشات وانتقادات أوسع، وأتاحت للجمهوريات والحركات القومية التعبير عن مطالبها بصورة أكثر وضوحًا.
القوميات والجمهوريات.. الشقوق داخل الاتحاد
لم يكن الاتحاد السوفيتي دولة قومية واحدة بالمعنى التقليدي، بل اتحادًا يضم 15 جمهورية اتحادية، لكل منها مؤسسات وحدود وهوية وطنية خاصة، إلى جانب تنوع عرقي ولغوي واسع.
ومع ضعف سلطة المركز وتزايد الأزمات السياسية، تصاعدت مطالب الاستقلال والسيادة في جمهوريات البلطيق وغيرها من المناطق.
وفي أغسطس 1989، شكلت السلسلة البشرية المعروفة باسم «طريق البلطيق» احتجاجًا رمزيًا واسعًا ربط بين إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، معبرًا عن المطالبة بالاستقلال.
ثم جاءت محاولة الانقلاب الفاشلة في موسكو في أغسطس 1991 لتسرّع تفكك السلطة المركزية، قبل أن يُعلن انتهاء الاتحاد السوفيتي في ديسمبر من العام نفسه.
وتوضح وزارة الخارجية الأمريكية في عرضها التاريخي لانهيار الاتحاد أن التحول ارتبط بمزيج من الأزمات السياسية والاقتصادية وصعود الجمهوريات المستقلة، وليس بعامل عسكري واحد. .
هل كانت أفغانستان السبب في سقوط الاتحاد؟
الأدق تاريخيًا أن الحرب الأفغانية ساهمت في استنزاف الموارد وإضعاف الثقة وتعقيد الحسابات الخارجية، لكنها لم تكن السبب الوحيد ولا المباشر الكافي لتفسير التفكك.
فلو كانت الحرب وحدها كافية لإسقاط دولة كبرى، لكان من المفترض أن تتكرر النتيجة نفسها في كل دولة تخوض حربًا طويلة. لكن مصير الدول يتوقف على قدرة مؤسساتها على إدارة الخسائر، والحفاظ على الاقتصاد، واحتواء الخلافات السياسية، والتعامل مع مطالب الأقاليم.
وهذا هو الدرس الذي يجعل المقارنة مع روسيا الحالية أكثر تعقيدًا من مجرد وضع خريطة أفغانستان بجانب خريطة أوكرانيا.

تعليقات
إرسال تعليق