تُعد العلاقات المصرية الإسرائيلية من أكثر العلاقات حساسية في الشرق الأوسط، فهي تجمع بين اتفاقية سلام مستمرة منذ عام 1979، ومصالح أمنية واستراتيجية مشتركة في بعض الملفات، وخلافات سياسية عميقة بشأن القضية الفلسطينية وقطاع غزة وأمن الحدود ومستقبل الترتيبات الإقليمية.
ومع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب في غزة، وظهور تصريحات إسرائيلية مثيرة للجدل بشأن سيناء، يبرز سؤال مهم: هل يمكن أن تندلع حرب جديدة بين مصر وإسرائيل؟ وما الظروف التي قد تدفع البلدين إلى المواجهة، وما السيناريوهات المحتملة إذا انهارت التفاهمات السياسية والأمنية؟
الإجابة تتطلب قراءة شاملة للمشهد، بعيدًا عن التهويل أو افتراض أن الحرب أصبحت حتمية. فالتوتر السياسي لا يعني بالضرورة اقتراب المواجهة العسكرية، كما أن استمرار اتفاقية السلام لا يلغي إمكانية وقوع أزمة خطيرة إذا تداخلت الضغوط الميدانية مع الحسابات السياسية والأمنية.
الخلاصة الأساسية: توجد عوامل قد ترفع مخاطر التصعيد بين مصر وإسرائيل، لكن الانتقال من التوتر إلى حرب مباشرة واسعة النطاق يتطلب تطورات أكثر خطورة من التصريحات السياسية أو الخلافات الدبلوماسية وحدها.
أولًا: خلفية العلاقات المصرية الإسرائيلية واتفاقية السلام
وقّعت مصر وإسرائيل معاهدة السلام في 26 مارس 1979، بعد سنوات من الصراع العسكري، لتضع حدًا لحالة الحرب بين البلدين وتؤسس إطارًا للعلاقات الرسمية والترتيبات الأمنية على الحدود.
ونصت المعاهدة على احترام سيادة كل دولة وسلامة أراضيها، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية. كما تضمنت ترتيبات أمنية وعسكرية خاصة بشبه جزيرة سيناء والحدود الدولية.
وقد شكّلت هذه الاتفاقية عاملًا رئيسيًا في منع تكرار الحروب المباشرة بين البلدين لعقود، رغم استمرار الخلافات بشأن القضية الفلسطينية وتطورات المنطقة.
لكن السلام بين الدول لا يعني بالضرورة تطابق مصالحها في جميع الملفات. فمصر تنظر إلى استقرار حدودها الشرقية ومنع تهجير الفلسطينيين إلى سيناء باعتبارهما من القضايا المرتبطة بأمنها القومي، بينما تركز إسرائيل على متطلباتها الأمنية وعلى طبيعة التهديدات القادمة من غزة والمناطق المحيطة بها.
ومن هنا، فإن مستقبل العلاقة يتأثر بمدى قدرة الطرفين على إدارة الخلافات ضمن الاتفاقيات القائمة، ومنع انتقالها إلى احتكاك عسكري مباشر.
ثانيًا: تصريحات بشأن سيناء وتأثيرها في احتمالات الحرب
أثارت تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في أكتوبر 2026، التي تحدث فيها عن احتمال فقدان مصر سيناء إذا هاجمت إسرائيل، جدلًا واسعًا بسبب ارتباطها بأرض استعادتها مصر بعد حرب أكتوبر 1973 واتفاقية السلام.
ورفضت مصر، وفق ما نقلته وسائل إعلام مصرية، محاولات ربط سيناء بمشروعات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، كما أكدت تصريحات رسمية مصرية سابقة أن القاهرة لا تسعى إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل وتتمسك باتفاقية السلام.
وتكشف هذه التطورات عن مستوى الحساسية الذي وصلت إليه بعض الملفات الثنائية، لكنها لا تشكل وحدها دليلًا على اتخاذ قرار بالحرب من أي من الطرفين.
يمكن أن تؤدي التصريحات التصعيدية إلى ثلاث نتائج محتملة:
- زيادة التوتر السياسي والإعلامي بين البلدين.
- دفع المؤسسات الأمنية والدبلوماسية إلى تعزيز إجراءات الاحتياط والاتصال.
- تعقيد المفاوضات المتعلقة بغزة والحدود إذا تحولت التصريحات إلى سياسات أو إجراءات ميدانية.
أما الخطر الأكبر فيظهر عندما تتحول اللغة السياسية التصعيدية إلى تهديدات عملية للسيادة أو إلى تحركات عسكرية تفسرها الدولة الأخرى باعتبارها استعدادًا لهجوم.
ولهذا ينبغي التمييز بين الخطاب السياسي الموجه إلى الجمهور، وبين القرارات الرسمية التي تغيّر الوضع الأمني على الأرض.
ثالثًا: قطاع غزة بوصفه العامل الأكثر حساسية في العلاقة
يمثل قطاع غزة أحد أهم الملفات القادرة على التأثير في مستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية، بسبب موقعه الجغرافي واتصاله المباشر بالأمن القومي المصري.
فمصر ترتبط بحدود مباشرة مع القطاع، وتعارض تهجير الفلسطينيين قسرًا إلى أراضيها، وتؤكد ضرورة الحفاظ على الوجود الفلسطيني في أرضه، إلى جانب دعمها المسار السياسي الذي يقود إلى إقامة دولة فلسطينية.
في المقابل، ترتبط الحسابات الأمنية الإسرائيلية بمستقبل السيطرة الأمنية على غزة، ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية للفصائل المسلحة، وترتيبات إدارة القطاع والحدود.
وتظهر نقطة الخلاف الأساسية عندما تتعارض الإجراءات الإسرائيلية داخل غزة أو على حدودها مع المصالح الأمنية المصرية أو مع الخطوط الحمراء التي تعلنها القاهرة.
كيف يمكن أن يتحول الخلاف حول غزة إلى أزمة بين البلدين؟
يمكن تصور عدد من التطورات التي قد تزيد التوتر:
- استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع بما يؤدي إلى موجات جديدة من النزوح باتجاه الحدود المصرية.
- محاولة فرض واقع سكاني جديد يضع مصر أمام ضغوط لقبول انتقال الفلسطينيين إلى سيناء.
- خلافات حادة حول ترتيبات المعابر والرقابة الحدودية والمسؤولية عن تأمين المناطق المحاذية لغزة.
- انهيار التفاهمات المتعلقة بوقف إطلاق النار، أو فشل المفاوضات بشأن الانسحاب وإعادة الإعمار وإدارة القطاع.
- وقوع حادث حدودي يؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة أو يتسبب في اتهامات متبادلة.
لا يعني أي عامل من هذه العوامل أن الحرب ستندلع تلقائيًا، لكنه قد يرفع تكلفة استمرار الوضع القائم، خصوصًا إذا تزامن مع أزمة سياسية داخلية أو غياب قنوات الاتصال الفعالة.
رابعًا: هل يمكن أن يؤدي تهجير الفلسطينيين إلى مواجهة عسكرية؟
تُعد قضية التهجير القسري للفلسطينيين إلى سيناء من أخطر الملفات التي يمكن أن تتسبب في أزمة استراتيجية بين القاهرة وتل أبيب.
فالرفض المصري لتهجير الفلسطينيين يرتبط بمخاوف متعددة، منها تصفية القضية الفلسطينية، وتحويل سيناء إلى منطقة تستوعب أزمة إنسانية وسياسية طويلة الأمد، وخلق تحديات أمنية واقتصادية جديدة على الحدود المصرية.
إذا ظهرت محاولة فعلية لفرض التهجير، فقد تتخذ مصر إجراءات سياسية ودبلوماسية أكثر حدة، وتطالب بتحرك دولي عاجل، وتعيد تقييم مستوى التعاون القائم في ملفات أمنية محددة.
وفي حال اقترن ذلك بتحرك ميداني يهدد الحدود المصرية أو بوقوع مواجهة مباشرة مع القوات المصرية، فقد ترتفع المخاطر بصورة أكبر.
ومع ذلك، يجب التمييز بين رفض مصر للتهجير وبين اعتبارها أن الحرب هي الخيار الأول للتعامل معه. فهناك أدوات سياسية وقانونية ودبلوماسية وضغوط دولية يمكن استخدامها قبل الوصول إلى مواجهة عسكرية.
ومن المهم أيضًا أن أي محاولة لتغيير الحدود أو فرض انتقال قسري للسكان ستثير تداعيات تتجاوز العلاقة الثنائية، لتشمل القانون الدولي والأمن الإقليمي ومواقف القوى الدولية.
خامسًا: سيناء والترتيبات العسكرية على الحدود
تحتل شبه جزيرة سيناء موقعًا استراتيجيًا مهمًا في الأمن المصري، فهي تربط بين الأراضي المصرية وقرب الحدود من غزة وإسرائيل، كما تشكل منطقة حيوية لحماية قناة السويس والحدود الشرقية.
وتتضمن معاهدة السلام وملاحقها ترتيبات تتعلق بانتشار القوات والأسلحة في مناطق محددة. وقد شهدت بعض هذه الترتيبات تعديلات أو تفاهمات أمنية بموافقة الطرفين استجابة للتغيرات الميدانية، بما في ذلك متطلبات مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود.
وتبرز الحساسية عندما تختلف القاهرة وتل أبيب بشأن تفسير ترتيبات الانتشار العسكري أو الاحتياجات الأمنية على الحدود.
لكن وجود القوات المصرية في سيناء، أو إجراء تدريبات عسكرية معلنة، لا يكفي وحده للاستنتاج بأن مصر تستعد للحرب. فالجيوش تجري تدريبات في إطار مهامها الدفاعية، كما أن تقييم النوايا العسكرية يتطلب أدلة متعددة لا مجرد صور أو تصريحات منفردة.
ما التطورات التي قد تجعل الوضع العسكري أكثر خطورة؟
من بين العوامل المحتملة:
- خلاف معلن حول ترتيبات أمنية قائمة أو تغييرها من دون تفاهم.
- وقوع حادث مسلح على الحدود يؤدي إلى سقوط قتلى أو إصابات.
- تبادل اتهامات بشأن انتهاك المجال الجوي أو الحدود الدولية.
- تراجع التنسيق الأمني إلى درجة تعيق احتواء الحوادث الميدانية.
- تفسير تحركات دفاعية من أحد الطرفين باعتبارها استعدادًا لعمل هجومي.
وتظل أهمية قنوات الاتصال العسكري والأمني كبيرة في هذه الظروف، لأنها تساعد على توضيح النوايا وتجنب التصعيد الناتج عن سوء التقدير.
سادسًا: ما الأسباب التي قد تدفع مصر وإسرائيل إلى حرب مباشرة؟
لا توجد ضرورة واحدة تجعل الحرب حتمية، بل يمكن أن ينشأ الخطر نتيجة اجتماع عدة أزمات في وقت واحد.
1. تهديد مباشر للسيادة المصرية
إذا وقع اعتداء عسكري واضح على الأراضي المصرية، أو تعرضت القوات المصرية لهجوم واسع، فقد تدخل الأزمة مرحلة مختلفة تمامًا عن الخلافات السياسية المعتادة.
وفي هذه الحالة، ستعتمد طبيعة الرد المصري على حجم الحادث، والظروف المحيطة به، والقرارات السياسية، وإمكانية احتوائه عبر القنوات الدبلوماسية.
2. انهيار التفاهمات الأمنية
يمكن أن يؤدي تراجع التعاون الأمني إلى زيادة احتمالات سوء الفهم، خصوصًا في المناطق الحدودية الحساسة. وإذا تزامن ذلك مع تحركات عسكرية متقابلة، فقد تتسع الأزمة بسرعة.
3. أزمة كبرى حول غزة
قد يؤدي فرض واقع جديد على القطاع، أو محاولة تهجير السكان قسرًا، أو وقوع حادث واسع النطاق قرب الحدود المصرية، إلى تصعيد سياسي وأمني شديد.
وتزداد المخاطر إذا عجز الوسطاء عن التوصل إلى تفاهمات تمنع تكرار الحوادث أو تعالج أسباب الأزمة.
4. سقوط ضحايا في حادث حدودي
قد يكون الحادث المحدود نقطة تحول إذا أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا، أو إذا جرى التعامل معه بطريقة تصعيدية، أو تأخرت التحقيقات والاتصالات اللازمة لتحديد المسؤولية.
5. حسابات سياسية داخلية
قد تؤثر الضغوط الداخلية والخطابات القومية والانتخابات والصراعات السياسية في طريقة تعامل الحكومات مع الأزمات. إلا أن الخطاب المتشدد لا يعني بالضرورة وجود قرار عسكري، إذ قد يُستخدم لأغراض سياسية أو تفاوضية.
6. اتساع حرب إقليمية
إذا دخلت المنطقة في حرب أوسع تشمل أطرافًا متعددة، فقد تواجه مصر وإسرائيل ضغوطًا أمنية متزايدة، سواء بسبب التهديدات الحدودية أو حركة الملاحة أو استهداف المصالح الإقليمية.
وقد تزيد هذه الظروف احتمالات الاحتكاك غير المقصود، حتى إذا لم يكن أي من الطرفين يرغب في فتح جبهة حرب جديدة.
سابعًا: مقارنة القدرات العسكرية المصرية والإسرائيلية
تُعد مصر وإسرائيل من القوى العسكرية الرئيسية في المنطقة، لكن المقارنة بينهما لا يمكن اختزالها في أعداد الدبابات والطائرات أو حجم القوات.
فالقدرة العسكرية الفعلية تتأثر بجودة التدريب، والجاهزية، والقيادة والسيطرة، والاستخبارات، والدفاع الجوي، والقدرة اللوجستية، والتسليح، والاقتصاد، والدعم الخارجي، والقدرة على الاستمرار في القتال.
القدرات العسكرية المصرية
تمتلك القوات المسلحة المصرية فروعًا رئيسية تشمل القوات البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي، إضافة إلى تشكيلات ووحدات متخصصة.
وتشمل عناصر قوتها حجم القوات واتساع منظومة التسليح وتنوع مصادره، إلى جانب الموقع الجغرافي الذي يمنح مصر أهمية استراتيجية في شرق المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس.
كما تمثل حماية الحدود الواسعة وتأمين البنية التحتية الحيوية ومكافحة التهديدات غير التقليدية جزءًا مهمًا من مهام القوات المسلحة المصرية.
القدرات العسكرية الإسرائيلية
تمتلك إسرائيل قوات برية وجوية وبحرية، إلى جانب منظومات متقدمة للاستخبارات والاستطلاع والدفاع الجوي والصاروخي، وقدرات تكنولوجية وصناعات دفاعية محلية.
وتستفيد القوات الإسرائيلية من التكامل بين الاستخبارات والتكنولوجيا والقوة الجوية، ومن علاقات دفاعية راسخة مع الولايات المتحدة.
لكن هذه القدرات لا تعني أن خوض حرب طويلة سيكون بلا تكاليف، إذ تتأثر أي مواجهة بحجم الجبهة، وطبيعة العمليات، واستنزاف الذخائر والموارد، والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.
من الطرف الأقوى في حال اندلاع الحرب؟
لا يمكن إصدار حكم دقيق وموثوق بأن أحد الطرفين سيحقق نصرًا مضمونًا في حرب افتراضية. فنتائج الحرب لا تُحدد بمنظومة تسليح واحدة أو بحجم الجيش فقط.
وتختلف الحسابات بحسب ما إذا كانت الأزمة حادثًا محدودًا، أو اشتباكًا قصيرًا، أو حربًا تقليدية واسعة، كما تتغير النتائج المحتملة وفق الأهداف السياسية لكل طرف ومدة القتال ومستوى التدخل الخارجي.
لذلك، فإن المقارنة الأكثر واقعية تركز على مخاطر الحرب وتكاليفها وعدم اليقين في نتائجها، بدلًا من تقديم توقعات قطعية لا تدعمها معطيات كافية.
ثامنًا: السيناريوهات المحتملة لمستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية
يمكن تحليل مستقبل العلاقة من خلال خمسة سيناريوهات رئيسية، مع التأكيد أن هذه السيناريوهات احتمالات تحليلية وليست تنبؤات مؤكدة.
السيناريو الأول: احتواء التوتر واستمرار اتفاقية السلام
في هذا السيناريو، يواصل الطرفان إدارة خلافاتهما من خلال الاتصالات السياسية والأمنية، مع الاستعانة بالولايات المتحدة والوسطاء الإقليميين عند الضرورة.
وقد يستمر الخلاف حول غزة والحدود والتصريحات السياسية، لكن من دون انتقاله إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
ويظل هذا السيناريو ممكنًا عندما تدرك الحكومتان أن كلفة الحرب أعلى من المكاسب المتوقعة، وأن اتفاقية السلام توفر إطارًا يمكن استخدامه لتسوية الأزمات.
السيناريو الثاني: تصعيد دبلوماسي وأمني طويل
قد تتجه العلاقة إلى مرحلة من التوتر الممتد، تتخللها تصريحات حادة واحتجاجات دبلوماسية وتراجع في بعض أوجه التعاون.
وفي هذا الوضع، قد تبقى قنوات الاتصال الأساسية قائمة لمنع الحوادث، بينما تتراجع الثقة السياسية بين الطرفين.
ويختلف هذا السيناريو عن الحرب المباشرة، لكنه قد يزيد مخاطر سوء التقدير إذا استمرت الأزمة دون حلول.
السيناريو الثالث: حادث حدودي محدود
يمكن أن يؤدي حادث أمني أو تبادل لإطلاق النار إلى ردود فعل متبادلة، قبل أن تبدأ جهود لاحتواء الموقف.
وتعتمد خطورة هذا السيناريو على حجم الخسائر، وطبيعة الردود، وسرعة الاتصال بين القيادتين، وقدرة الوسطاء على منع التصعيد.
وقد ينتهي الحادث بتحقيقات وتفاهمات جديدة، لكنه قد يتحول إلى أزمة أوسع إذا جرى التعامل معه باعتباره اعتداءً متعمدًا يستوجب ردًا كبيرًا.
السيناريو الرابع: مواجهة عسكرية محدودة
في هذا السيناريو، تتجاوز الأزمة حدود التصريحات والاحتجاجات لتصل إلى استخدام محدود للقوة العسكرية.
وقد ينشأ ذلك نتيجة تصعيد متبادل أو سوء تقدير أو اعتقاد أحد الطرفين أن استخدام القوة سيمنع تدهورًا أكبر في وضعه الأمني.
غير أن هذا النوع من المواجهات ينطوي على خطر توسعها، لأن كل طرف قد يفسر رد الطرف الآخر على أنه مبرر لمزيد من التصعيد.
ولهذا تظل سرعة وقف إطلاق النار والتحقيق في الحوادث وإعادة تفعيل قنوات الاتصال عوامل حاسمة في منع تحول الاشتباك المحدود إلى حرب واسعة.
السيناريو الخامس: حرب مباشرة واسعة النطاق
يُعد هذا السيناريو الأكثر خطورة والأعلى تكلفة، ويمكن تصوره إذا اجتمعت عدة عوامل، مثل انهيار التفاهمات الأمنية، ووقوع اعتداءات مباشرة، وفشل الوساطات، واتخاذ قرارات سياسية بتوسيع العمليات العسكرية.
ومن المرجح أن تتجاوز تداعيات مثل هذه الحرب الحدود الثنائية، لتؤثر في الاقتصاد الإقليمي والملاحة والتجارة وأمن دول الجوار.
ومع ذلك، لا توجد قاعدة تسمح بالقول إن هذا السيناريو سيقع حتمًا، كما لا يمكن تقدير احتماله بدقة من دون معلومات موثوقة عن القرارات العسكرية والسياسية الفعلية.
تاسعًا: ما دور الولايات المتحدة في منع الحرب؟
تؤدي الولايات المتحدة دورًا مهمًا في العلاقة المصرية الإسرائيلية، بالنظر إلى علاقاتها الاستراتيجية مع الطرفين ودورها التاريخي في اتفاقية السلام.
وفي حال نشوب أزمة حادة، يمكن لواشنطن أن تستخدم الاتصالات الدبلوماسية، والضغط السياسي، والوساطة، وآليات التنسيق القائمة للمساعدة في احتواء التوتر.
لكن فاعلية هذا الدور ليست مضمونة بصورة مطلقة؛ إذ تتأثر بمواقف الإدارة الأمريكية، وطبيعة الأزمة، واستعداد الطرفين للتجاوب، ومدى توافق مصالح القوى الإقليمية والدولية.
كما يمكن للأمم المتحدة والدول الأوروبية والوسطاء الإقليميين أن يسهموا في الدعوة إلى ضبط النفس، والتحقيق في الحوادث، والحفاظ على الممرات الإنسانية، ومنع انتقال الصراع إلى دول أخرى.
وتزداد فرص نجاح الوساطة عندما تركز على خطوات عملية واضحة، مثل وقف التصعيد، واحترام السيادة والحدود، وتثبيت التفاهمات الأمنية، ومنع التهجير القسري، وإعادة المسار السياسي إلى الواجهة.
عاشرًا: التأثيرات الاقتصادية المحتملة لأي حرب
لن تقتصر تداعيات أي مواجهة مصرية إسرائيلية على الجبهتين العسكرية والسياسية، بل قد تمتد إلى الاقتصاد المصري والإسرائيلي والاقتصادات الإقليمية.
التأثير على الاقتصاد المصري
قد تتعرض قطاعات السياحة والاستثمار والنقل لضغوط متزايدة نتيجة ارتفاع المخاطر الأمنية وتراجع ثقة الأسواق. كما قد ترتفع تكاليف التأمين والشحن، وتزداد الضغوط على الموازنة العامة إذا ارتفعت النفقات الدفاعية أو تعطلت بعض الأنشطة الاقتصادية.
وتكتسب قناة السويس أهمية خاصة في هذا السياق، نظرًا إلى دورها في التجارة العالمية ومصادر النقد الأجنبي المصري. وقد تؤدي حرب إقليمية أوسع إلى زيادة اضطرابات الملاحة، بحسب موقع العمليات وطبيعتها.
التأثير على الاقتصاد الإسرائيلي
قد تؤدي الحرب إلى ارتفاع الإنفاق العسكري، وتراجع النشاط السياحي، وزيادة الضغوط على الاستثمار والميزانية، فضلًا عن تأثيرها في سوق العمل إذا استمرت التعبئة العسكرية لفترة طويلة.
وتتوقف شدة التأثيرات على مدة الحرب، ونطاقها الجغرافي، واستمرار الدعم الخارجي، وحجم الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية والأنشطة الاقتصادية.
التأثير على المنطقة
قد تتأثر التجارة الإقليمية وأسواق الطاقة وأسعار التأمين والنقل، كما يمكن أن تواجه دول المنطقة ضغوطًا سياسية وأمنية إضافية.
وقد يتراجع اهتمام المستثمرين بالمشروعات طويلة الأجل في المناطق التي ترتفع فيها مخاطر النزاع، ما يزيد الكلفة الاقتصادية حتى على الدول التي لا تشارك مباشرة في الحرب.
الحادي عشر: كيف يمكن معرفة ما إذا كانت احتمالات الحرب تتصاعد فعلًا؟
من المهم عدم الاعتماد على الشائعات أو مقاطع الفيديو غير الموثقة أو التصريحات المنفردة عند تقييم احتمالات الحرب.
هناك مؤشرات سياسية وأمنية تستحق المتابعة، لكن لا ينبغي تفسير أي مؤشر منفرد باعتباره دليلًا قاطعًا على قرب اندلاع مواجهة.
ومن أبرز المؤشرات العامة:
- صدور بيانات رسمية واضحة عن وقوع اعتداءات مباشرة أو انهيار ترتيبات أمنية.
- إعلان إجراءات دبلوماسية استثنائية مقرونة بتطورات ميدانية مؤكدة.
- تعطل قنوات الاتصال والوساطة التي اعتاد الطرفان استخدامها خلال الأزمات.
- ظهور تحركات عسكرية غير اعتيادية تؤكدها مصادر موثوقة متعددة، مع تجنب الاستنتاجات المبنية على صور قديمة أو غير محددة المكان والزمان.
- فشل الجهود السياسية في احتواء أزمة حدودية موثقة، واستمرار التصعيد بدلًا من التراجع عنه.
ومع ذلك، قد تتخذ الدول إجراءات احترازية لأسباب دفاعية، وقد تستخدم بعض التصريحات للضغط السياسي. ولذلك يتطلب تقييم الموقف جمع عدة مؤشرات والتحقق منها قبل الوصول إلى استنتاج.
الثاني عشر: ما العوامل التي تمنع مصر وإسرائيل من الانزلاق إلى الحرب؟
على الرغم من الخلافات القائمة، توجد عوامل قوية تدفع الطرفين إلى تجنب المواجهة العسكرية المباشرة.
أول هذه العوامل هو ارتفاع التكلفة البشرية والاقتصادية للحرب، خصوصًا إذا امتدت لفترة طويلة أو فتحت جبهات إضافية.
وثانيها أن اتفاقية السلام توفر إطارًا قانونيًا وسياسيًا للتعامل مع الخلافات، كما أن العلاقات الدبلوماسية وقنوات التنسيق تتيح إمكان احتواء الحوادث قبل تفاقمها.
وثالثها أن أي حرب بين البلدين قد تستدعي تدخلًا دبلوماسيًا دوليًا واسعًا، وقد تؤدي إلى اضطرابات إقليمية تتجاوز قدرة الطرفين على التحكم في نتائجها.
ورابعها أن مصر تواجه أولويات اقتصادية وتنموية وأمنية متعددة، بينما تواجه إسرائيل بدورها حسابات أمنية داخلية وإقليمية معقدة. وقد تجعل هذه الاعتبارات استمرار الاستقرار خيارًا أكثر فائدة من الحرب المفتوحة.
لكن هذه العوامل لا تعني استحالة اندلاع الحرب؛ إذ يمكن للأزمات الكبرى وسوء التقدير والحوادث غير المقصودة أن تتغلب أحيانًا على حسابات تجنب الصراع.
الثالث عشر: هل يمكن إلغاء اتفاقية السلام أو تجميدها؟
من المهم التمييز بين ثلاثة أمور مختلفة: تدهور العلاقات الدبلوماسية، وتقليص بعض أوجه التعاون، وإنهاء اتفاقية السلام رسميًا.
فالتوتر السياسي أو سحب سفير أو تعليق بعض الاتصالات لا يعني تلقائيًا أن المعاهدة انتهت قانونيًا.
وتتضمن المعاهدة أحكامًا تتعلق بتسوية الخلافات وتطبيق الالتزامات، كما أن تفسير أي خطوة تتصل بإنهائها أو تعليقها يتطلب الرجوع إلى نص الاتفاقية والقانون الدولي والوقائع الفعلية.
وقد تؤدي أزمة خطيرة إلى إعادة النظر في مستوى العلاقات أو ترتيبات التعاون، لكن الانتقال إلى إنهاء المعاهدة يمثل تطورًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، ستكون له تداعيات أمنية ودبلوماسية كبيرة على المنطقة.
لذلك، ينبغي عدم مساواة التصريحات الغاضبة أو التوتر الإعلامي بقرار رسمي بإنهاء السلام.
الرابع عشر: ما السيناريو الأكثر واقعية في المرحلة المقبلة؟
لا يمكن الجزم بمسار العلاقات المصرية الإسرائيلية اعتمادًا على التصريحات وحدها، ولا تتوفر قاعدة موثوقة تتيح وضع نسبة رقمية دقيقة لاحتمال الحرب.
لكن من الناحية التحليلية، يجب التفريق بين استمرار التوتر، ووقوع أزمة أمنية محدودة، واندلاع حرب واسعة. فلكل مستوى من هذه المستويات شروط ومؤشرات مختلفة.
إذا بقيت الخلافات محصورة في التصريحات والمواقف السياسية، واستمرت قنوات الاتصال والتفاهمات الأمنية، فإن التوتر قد يظل تحت السيطرة رغم حدته.
أما إذا تزامنت أزمة غزة مع تهديد مباشر للحدود المصرية، ووقوع خسائر بشرية في حادث مسلح، وتعطل الوساطات، فقد يصبح احتواء التصعيد أكثر صعوبة.
ويظل السيناريو الأخطر هو اجتماع عدة أزمات في وقت واحد، بحيث تتراجع قدرة القيادات السياسية على المناورة وتزداد احتمالات اتخاذ قرارات متسرعة.
وبناءً على ذلك، فإن المعيار الأهم ليس مدى حدة الخطاب السياسي، بل ما إذا كانت التطورات الميدانية والسياسات الرسمية تشير إلى انتقال فعلي من إدارة الخلاف إلى استخدام القوة.
خاتمة
إن احتمال اندلاع حرب بين مصر وإسرائيل يرتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها مستقبل قطاع غزة، ورفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وأمن الحدود، واحترام السيادة، واستمرار اتفاقية السلام والترتيبات الأمنية.
وتكشف التصريحات المتعلقة بسيناء عن حساسية العلاقة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الحرب أصبحت وشيكة أو حتمية.
وفي المقابل، لا ينبغي التقليل من مخاطر التصعيد إذا تحولت الخلافات السياسية إلى إجراءات ميدانية تمس أمن أحد الطرفين، أو إذا وقع حادث حدودي خطير وفشلت الجهود الدبلوماسية في احتوائه.
إن الحرب المباشرة ستكون مكلفة للطرفين، وقد تتجاوز آثارها حدود البلدين لتؤثر في أمن الشرق الأوسط والتجارة والملاحة والاستقرار الاقتصادي.
ولهذا، فإن مستقبل العلاقة سيتوقف إلى حد كبير على قدرة مصر وإسرائيل على منع الأزمات من التحول إلى مواجهات، وعلى نجاح الجهود الدولية في معالجة الملفات التي تغذي التوتر، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومستقبل غزة.
والسؤال الأهم ليس فقط ما إذا كانت الحرب ممكنة، بل ما إذا كانت القرارات السياسية ستنجح في منع تحول الخلافات القائمة إلى مواجهة لا يستطيع أحد ضمان نتائجها.

تعليقات
إرسال تعليق