التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أبرز الفصائل المسلحة في العراق وعلاقتها بإيران وأمريكا


 المليشيات في العراق: من يدعمها وما أهدافها وعلاقتها بإيران وأمريكا؟

تُعد المليشيات والفصائل المسلحة في العراق من أبرز الملفات السياسية والأمنية التي تؤثر في مستقبل البلاد وعلاقاتها الإقليمية، خصوصًا منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، وما تبعه من فراغ أمني وصراعات داخلية وتدخلات خارجية. وقد ازدادت أهمية هذه الجماعات بعد ظهور تنظيم داعش عام 2014، عندما تشكلت قوات وتجمعات مسلحة متعددة للمشاركة في مواجهة التنظيم وحماية المدن العراقية.

ومع مرور السنوات، لم تعد جميع هذه الفصائل مجرد مجموعات تقاتل على الأرض، بل أصبح لبعضها نفوذ سياسي وبرلماني وأمني واقتصادي، فيما احتفظت جماعات أخرى بقدرات عسكرية وعلاقات خارجية مستقلة نسبيًا عن مؤسسات الدولة.

وتبرز إيران بوصفها أحد أهم الأطراف الخارجية المرتبطة بعدد من الفصائل العراقية، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى بعض هذه الجماعات باعتبارها تهديدًا لقواتها ومصالحها في المنطقة. وفي المقابل، تواجه الحكومة العراقية تحديًا يتمثل في فرض سلطة الدولة على جميع التشكيلات المسلحة، ومنع استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية.

نشأة المليشيات في العراق بعد عام 2003

بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الجماعات المسلحة العراقية عقب الغزو الأمريكي وسقوط نظام صدام حسين عام 2003. فقد أدى انهيار أجزاء من المؤسسات الأمنية وتفكك منظومة الحكم السابقة إلى ظهور فراغ أمني، تزامن مع صراع سياسي واسع بين القوى العراقية المختلفة.

في تلك الفترة، عادت تنظيمات سياسية وعسكرية كانت تعمل خارج العراق، وظهرت جماعات جديدة رفعت شعار مقاومة القوات الأمريكية، بينما تشكلت مجموعات أخرى في سياق الصراع الطائفي والتنافس على النفوذ.

وكانت منظمة بدر من أبرز التنظيمات التي عادت إلى العراق بعد سقوط النظام السابق، إلى جانب جماعات ارتبطت بالتيار الصدري، وفصائل ظهرت لاحقًا وانفصل بعضها عن حركات مسلحة سابقة.

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2006 و2008، تصاعد العنف الطائفي، وشهدت البلاد عمليات تفجير واغتيال وتهجير واشتباكات مسلحة، الأمر الذي ساهم في تعزيز دور الجماعات المسلحة في عدد من المناطق العراقية.

ظهور الحشد الشعبي بعد اجتياح داعش للعراق

شهد العراق تحولًا كبيرًا في يونيو 2014، عندما سيطر تنظيم داعش على مدينة الموصل ومناطق واسعة من البلاد، ما شكل تهديدًا مباشرًا لأمن الدولة العراقية ووحدة أراضيها.

وفي أعقاب تقدم التنظيم، صدرت فتوى الجهاد الكفائي عن المرجع الديني علي السيستاني، ودعت إلى التطوع لمواجهة داعش. وتدفقت أعداد كبيرة من المتطوعين إلى التشكيلات العسكرية، وانضمت جماعات مسلحة موجودة مسبقًا إلى التعبئة ضد التنظيم.

وفي هذا السياق، برزت هيئة الحشد الشعبي باعتبارها مظلة تضم فصائل متعددة شاركت في القتال. وأقر البرلمان العراقي قانون هيئة الحشد الشعبي عام 2016، الذي وضعها ضمن المنظومة الأمنية الرسمية للدولة.

لكن إدراج الحشد في الإطار القانوني لم ينهِ جميع الخلافات بشأن استقلالية بعض الفصائل وارتباطاتها السياسية والخارجية، كما لم يؤدِّ تلقائيًا إلى توحيد جميع سلاسل القيادة والسيطرة.

وبعد إعلان العراق الانتصار العسكري على داعش في ديسمبر 2017، استمرت تشكيلات عديدة في العمل، واحتفظ بعضها بنفوذ سياسي وأمني، فيما شاركت قوى مرتبطة بفصائل مسلحة في الانتخابات والبرلمان والتحالفات الحكومية.

أبرز المليشيات والفصائل المسلحة في العراق

تضم الساحة العراقية عددًا كبيرًا من الجماعات المسلحة التي تختلف في نشأتها وأهدافها وعلاقاتها الخارجية. ومن أبرزها منظمة بدر، وكتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وسرايا السلام، إلى جانب تشكيلات أخرى ضمن الحشد الشعبي والحشد العشائري وقوات إقليم كردستان.

ولا تتطابق هذه الجماعات في توجهاتها؛ فبعضها يرتبط بعلاقات وثيقة بإيران، وبعضها مرتبط بالتيار الصدري، وبعضها الآخر يستند إلى المرجعية الدينية في النجف أو إلى قوى محلية وعشائرية.

منظمة بدر: النفوذ السياسي والعسكري

تُعد منظمة بدر من أقدم التنظيمات العراقية ذات الخلفية العسكرية والسياسية المرتبطة تاريخيًا بإيران. فقد تأسست في ثمانينيات القرن الماضي ضمن المعارضة العراقية لنظام صدام حسين، وارتبطت خلال تلك المرحلة بالحرس الثوري الإيراني.

وبعد عام 2003، عادت المنظمة إلى العراق ووسعت حضورها في الحياة السياسية والأمنية، وأصبحت من القوى المعروفة داخل المشهد العراقي.

وتتمثل أبرز أهدافها في الحفاظ على نفوذها السياسي، والمشاركة في مؤسسات الدولة، وتعزيز حضورها داخل المنظومة الأمنية، إضافة إلى دعم العلاقات الاستراتيجية بين العراق وإيران.

وتستند المنظمة إلى قاعدة سياسية واجتماعية داخل العراق، كما تتمتع بعلاقات تاريخية وثيقة مع طهران. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين هذه العلاقات وبين التفاصيل الدقيقة للتمويل الحالي، التي لا تتوافر عنها جميع المعلومات بصورة علنية.

كتائب حزب الله: مواجهة الوجود الأمريكي

تُعد كتائب حزب الله من أبرز الفصائل المسلحة العراقية المرتبطة بإيران، وقد برزت بعد الغزو الأمريكي عام 2003 من خلال عمليات استهدفت القوات الأمريكية.

وكان أبو مهدي المهندس من أبرز قادتها، وقد قُتل في الضربة الأمريكية التي استهدفت موكبًا قرب مطار بغداد في يناير 2020، إلى جانب قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني.

وتعلن الكتائب معارضتها للوجود العسكري الأمريكي في العراق والمنطقة، وتتبنى خطابًا داعمًا لما تسميه محور المقاومة، كما تعارض السياسات الإسرائيلية وتؤكد ضرورة إخراج القوات الأمريكية.

وتشير تقارير دولية إلى وجود علاقات وثيقة بين الكتائب والحرس الثوري الإيراني، تشمل الدعم العسكري والتدريب والتنسيق الاستراتيجي. وتصنف الولايات المتحدة الكتائب منظمة إرهابية وفق تصنيفها الرسمي.

وتثير هذه الجماعة جدلًا داخل العراق بسبب ما يرتبط بها من اتهامات تتعلق بالهجمات على المصالح الأمريكية، وبسبب التساؤلات حول مدى استقلالية قرارها العسكري عن القيادة الرسمية للدولة.

عصائب أهل الحق: من العمل المسلح إلى السياسة

تأسست عصائب أهل الحق بعد انفصالها عن التيار الصدري، وبرزت خلال سنوات الصراع مع القوات الأمريكية. ويقودها قيس الخزعلي، وقد تطور دورها مع مرور الوقت ليشمل العمل السياسي والمشاركة في الانتخابات والبرلمان.

وتتمثل أهدافها في تعزيز نفوذها السياسي، ومعارضة الوجود العسكري الأمريكي، والحفاظ على دورها ضمن الحشد الشعبي، إلى جانب دعم العلاقات مع إيران.

وتصفها تقارير دولية بأنها من أبرز الفصائل العراقية المدعومة من طهران، كما تتمتع بحضور سياسي يجعلها جزءًا من التوازنات الداخلية في العراق.

وتعكس تجربتها تداخل العمل العسكري مع النشاط السياسي، وهي مسألة تثير نقاشًا واسعًا حول حدود الفصل بين الأحزاب السياسية والتشكيلات المسلحة، وضرورة خضوع جميع القوات للقانون وسلسلة قيادة واضحة.

حركة النجباء: امتداد النشاط إلى سوريا

تُعد حركة النجباء، بقيادة أكرم الكعبي، من الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. وقد توسع نشاطها خلال الحرب السورية، حيث شاركت في القتال إلى جانب قوات الحكومة السورية السابقة.

وتعلن الحركة معارضتها للوجود العسكري الأمريكي والإسرائيلي، وتدعم القوى التي تصفها بأنها جزء من محور المقاومة.

وقد أسهم نشاطها خارج العراق في توسيع علاقاتها الإقليمية وخبرتها الميدانية، لكنه جعلها أيضًا جزءًا من صراعات تتجاوز الحدود العراقية.

وتبرز أهمية هذه الحركة في النقاش المتعلق بمدى قدرة الدولة العراقية على ضبط نشاط الجماعات المسلحة ومنع تحول الأراضي العراقية إلى نقطة انطلاق لمواجهات إقليمية.

كتائب سيد الشهداء

كتائب سيد الشهداء فصيل مسلح عراقي برز اسمه خلال الحرب السورية، ثم أصبح جزءًا من المشهد الأوسع للفصائل المرتبطة بالحشد الشعبي.

وتتمثل أهدافه المعلنة في مواجهة الجماعات المسلحة التي يعتبرها تهديدًا للعراق وحلفائه، ودعم القوى المرتبطة بمحور المقاومة، ومعارضة الوجود العسكري الأمريكي والإسرائيلي.

وتشير التقارير الدولية إلى ارتباطه بالمعسكر المسلح الموالي لإيران، لكن ذلك لا يعني أن قراراته ومصالحه تتطابق بالضرورة مع جميع الفصائل الأخرى.

سرايا السلام: الفصيل المرتبط بالتيار الصدري

تختلف سرايا السلام عن الفصائل الأكثر ارتباطًا بإيران من حيث القيادة والمرجعية السياسية. فهي مرتبطة بمقتدى الصدر، وتعود جذورها إلى التشكيلات المسلحة التي ظهرت في محيط التيار الصدري بعد عام 2003.

وأُعلن عن سرايا السلام عام 2014 في سياق التعبئة لمواجهة تنظيم داعش، وشاركت في مهام عسكرية وأمنية خلال تلك المرحلة.

وتتمثل أبرز أهدافها في مواجهة داعش، وحماية مواقع ومناطق ذات أهمية دينية واجتماعية وفق خطابها، والحفاظ على نفوذ التيار الصدري داخل العراق.

وتوضح هذه الحالة أن الفصائل المسلحة العراقية لا تمثل كتلة واحدة، وأن الخلافات السياسية بين القوى الشيعية يمكن أن تنعكس على مواقفها الأمنية وعلاقاتها الخارجية.

فصائل العتبات الدينية

تضم هذه الفئة تشكيلات مسلحة ارتبطت بالمرجعية الدينية في النجف أو بالمؤسسات المرتبطة بالعتبات المقدسة، وشاركت في التعبئة لمواجهة داعش عام 2014.

ومن الأسماء المعروفة في هذا السياق فرقة العباس القتالية، ولواء علي الأكبر، وفرقة الإمام علي، مع اختلاف العلاقات المؤسسية لكل تشكيل.

وقد برزت هذه التشكيلات في إطار الدفاع عن المدن والمواقع الدينية ومواجهة داعش، كما ظهرت خلافات حول طبيعة العلاقة بين بعض الفصائل والقيادات المركزية للحشد الشعبي.

وتؤكد هذه الحالة أن جميع تشكيلات الحشد لا تتبع بالضرورة التوجهات السياسية نفسها، وأن العلاقة بالمرجعية في النجف تختلف عن العلاقة التي تربط بعض الفصائل بالحرس الثوري الإيراني.

من يقف خلف المليشيات العراقية ويمولها؟

تختلف مصادر الدعم والتمويل باختلاف الفصيل ووضعه القانوني وعلاقاته السياسية. ويمكن التمييز بين التمويل الحكومي الرسمي، والدعم الخارجي، والموارد الاقتصادية الأخرى التي قد ترتبط ببعض الجماعات.

الدور الإيراني في دعم الفصائل

تُعد إيران من أبرز الأطراف الخارجية التي تمتلك علاقات مع عدد من الفصائل المسلحة العراقية. وقد تطورت هذه العلاقات منذ الحرب العراقية الإيرانية، ثم توسعت بعد عام 2003.

وتشير تقارير دولية إلى أن الحرس الثوري الإيراني، وخصوصًا فيلق القدس، قدم لبعض الجماعات العراقية أشكالًا من الدعم شملت التدريب والتسليح والتمويل والتنسيق.

وتسعى إيران من خلال علاقاتها مع هذه القوى إلى تعزيز نفوذها الإقليمي، والاحتفاظ بحلفاء داخل العراق، والحد من التهديدات التي قد تواجه مصالحها، والضغط على الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن جميع الفصائل العراقية تتلقى أوامرها اليومية من طهران؛ إذ تمتلك بعض الجماعات حسابات محلية ومصالح سياسية وقيادات تتخذ قراراتها وفق ظروف عراقية داخلية.

التمويل الحكومي العراقي

يحصل الحشد الشعبي، باعتباره هيئة رسمية ضمن المنظومة الأمنية العراقية، على مخصصات من الميزانية العامة تشمل رواتب ونفقات تشغيلية.

لكن التمويل الحكومي لا يعني بالضرورة أن كل فصيل يطبق التعليمات العسكرية بالمستوى نفسه، كما أن وجود علاقات خارجية لبعض الجماعات لا يثبت وحده تفاصيل تمويلها الحالي.

وتكمن المشكلة الأساسية في ضمان الشفافية المالية، والرقابة على الإنفاق، وتوحيد القيادة، ومنع استخدام الموارد العامة في أنشطة لا تخضع للقانون أو لقرارات الحكومة.

الموارد الاقتصادية والنفوذ المحلي

تثار أحيانًا اتهامات بشأن ارتباط بعض الجماعات المسلحة بشبكات اقتصادية أو مصالح تجارية أو موارد محلية. لكن هذه الاتهامات تختلف من حالة إلى أخرى، ويجب التحقق من كل حالة بصورة مستقلة قبل اعتبارها حقيقة ثابتة.

ويُعد الفصل بين النشاط الاقتصادي المشروع والأنشطة غير القانونية، إلى جانب الرقابة المالية والقضائية، من الملفات المهمة لضمان خضوع جميع القوى المسلحة للقانون العراقي.

لماذا تعارض بعض المليشيات الوجود الأمريكي في العراق؟

يمثل الوجود العسكري الأمريكي أحد أهم مصادر التوتر بين واشنطن وعدد من الفصائل العراقية. فهذه الجماعات ترى أن استمرار القوات الأمريكية يتعارض مع السيادة العراقية، وتطالب بخروجها من البلاد.

وفي المقابل، تبرر الولايات المتحدة وجود قواتها بأهداف تتعلق بالتعاون الأمني ومواجهة تنظيم داعش ودعم الشركاء العراقيين.

وقد شهد العراق خلال السنوات الماضية هجمات صاروخية وهجمات بطائرات مسيرة استهدفت مواقع أمريكية أو منشآت مرتبطة بها، وردت الولايات المتحدة في مناسبات متعددة بضربات ضد جماعات اتهمتها بالمسؤولية عن تلك الهجمات.

وتجد الحكومة العراقية نفسها أمام معادلة صعبة؛ إذ تسعى إلى حماية سيادة البلاد ومنع استخدامها في هجمات على دول أخرى، مع تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.

كما أن الهجمات التي تنفذها جماعات مسلحة قد تؤدي إلى ردود عسكرية خارجية، حتى عندما لا تكون الحكومة العراقية قد وافقت عليها، وهو ما يهدد الاستقرار ويضعف قدرة الدولة على التحكم في القرارات الأمنية.

هل توجد مليشيات سنية وكردية في العراق؟

لا يقتصر المشهد المسلح العراقي على الفصائل الشيعية، بل يضم تشكيلات أخرى تختلف في ظروف نشأتها وارتباطاتها المؤسسية.

الحشد العشائري السني

برز الحشد العشائري في مناطق عراقية متعددة خلال الحرب ضد داعش، وشارك مقاتلون من عشائر سنية في الدفاع عن مناطقهم ومساندة القوات الحكومية.

وكانت أبرز مهامه مواجهة التنظيم والمساعدة في استعادة المناطق وتأمينها. وتختلف علاقة هذه التشكيلات بالحكومة والحشد الشعبي بحسب المنطقة والقيادة المحلية.

ولا يصح وضع جميع هذه القوات في الفئة نفسها التي تضم الفصائل المرتبطة بإيران، لأن خلفياتها وأهدافها ومصادر دعمها ليست متطابقة.

قوات البيشمركة الكردية

تمثل قوات البيشمركة القوة العسكرية لإقليم كردستان العراق، وتتمثل مهامها في الدفاع عن الإقليم ومواجهة التهديدات الأمنية.

وتعمل هذه القوات ضمن منظومة مختلفة عن المنظومة الأمنية التابعة للحكومة الاتحادية في بغداد، مع وجود أشكال من التنسيق بين الجانبين في ملفات أمنية مشتركة.

كما تأثرت بعض وحداتها تاريخيًا بالانقسامات السياسية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، الأمر الذي جعل توحيد القيادة العسكرية والأمنية أحد التحديات المستمرة.

تشكيلات الأقليات

توجد كذلك تشكيلات مسلحة تضم أفرادًا من الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان، وقد تشكل بعضها بعد هجمات داعش بهدف الدفاع عن مناطقها ومجتمعاتها.

وتختلف هذه التشكيلات في ارتباطاتها السياسية والمؤسسية، ولا يمكن اعتبارها جميعًا جزءًا من شبكة واحدة أو افتراض أنها تعمل وفق أهداف متطابقة.

لماذا تواجه الحكومة العراقية صعوبة في حصر السلاح بيد الدولة؟

يُعد حصر السلاح بيد الدولة أحد أبرز التحديات الأمنية والسياسية في العراق، بسبب تداخل المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية والإقليمية.

فمن جهة، يمتلك الحشد الشعبي إطارًا قانونيًا رسميًا، ومن جهة أخرى، تحتفظ بعض الفصائل بهياكل وقيادات وعلاقات خارجية تثير تساؤلات حول مدى خضوعها الكامل للقيادة المركزية.

كما أن بعض القوى المسلحة تمتلك حضورًا سياسيًا وبرلمانيًا، الأمر الذي يجعل إصلاح ملف السلاح مرتبطًا بالتوازنات الحكومية والانتخابية.

وتضاف إلى ذلك المخاوف الأمنية المرتبطة باستمرار نشاط خلايا داعش في بعض المناطق، والمصالح الاقتصادية والإدارية التي نشأت خلال سنوات طويلة.

وتحتاج معالجة هذا الملف إلى خطوات متكاملة تشمل توحيد سلاسل القيادة، وتعزيز الرقابة المالية، وتطبيق القانون على جميع التشكيلات، ومنع تنفيذ عمليات عسكرية خارج أوامر السلطات المختصة.

كما تتطلب تسوية الملف تفاهمات سياسية داخلية، إلى جانب إدارة العلاقات مع الدول الإقليمية والدولية بما يحمي استقلال القرار العراقي.

ما مستقبل المليشيات في العراق؟

يتوقف مستقبل الفصائل المسلحة على قدرة الحكومة العراقية على تنفيذ إصلاحات أمنية وسياسية واقتصادية تضمن خضوع السلاح لسلطة الدولة.

ومن المسارات المطروحة دمج الأفراد في مؤسسات أمنية موحدة، أو نزع سلاح التشكيلات التي توافق على إنهاء نشاطها العسكري المستقل، أو استمرار الوضع الحالي مع محاولات تدريجية لتقوية الرقابة الحكومية.

وفي المقابل، قد يؤدي تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة أو توسع الصراعات الإقليمية إلى زيادة الضغوط على العراق، ويجعل ملف الفصائل المسلحة أكثر تعقيدًا.

ولا يمكن الجزم بمسار واحد للمستقبل؛ إذ يعتمد ذلك على القرارات السياسية والأمنية الفعلية، ومدى التزام الجماعات المسلحة بالقانون، وقدرة مؤسسات الدولة على فرض سلطتها بصورة متساوية.

الخاتمة

تعود جذور المليشيات والفصائل المسلحة في العراق إلى عقود من الصراعات والحروب والتدخلات الخارجية، لكنها توسعت وتغيرت طبيعتها بصورة كبيرة بعد عام 2003، ثم بعد ظهور تنظيم داعش عام 2014.

وتضم الساحة العراقية جماعات متعددة، من بينها منظمة بدر وكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء وسرايا السلام، إلى جانب تشكيلات العتبات والحشد العشائري وقوات إقليم كردستان وغيرها.

وترتبط بعض هذه الفصائل بعلاقات وثيقة بإيران، بينما تستند جماعات أخرى إلى قواعد سياسية ومحلية مختلفة. كما تختلف مصادر التمويل والقيادة والأهداف من فصيل إلى آخر.

وتبقى القضية الأساسية هي قدرة الدولة العراقية على توحيد القرار الأمني، وضمان خضوع جميع التشكيلات المسلحة للقانون، ومنع استخدام الأراضي العراقية في صراعات إقليمية تهدد أمن البلاد واستقرارها.

إن مستقبل العراق يرتبط بمدى نجاح مؤسساته في بناء منظومة أمنية موحدة، وتحقيق التوازن بين متطلبات الدفاع عن البلاد وحماية السيادة، وبين إنهاء تعدد مراكز القرار العسكري وتعزيز سلطة القانون.



ابن دغيثر: كاتب ومحلل سياسي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حرب أمريكا وإيران: الأسباب والتاريخ والتطورات وتأثير الصراع على الشرق الأوسط

حرب أمريكا وإيران: الأسباب والتاريخ والتطورات وتأثير الصراع على الشرق الأوسط

منذ عقود، تمثل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في الشرق الأوسط. فقد انتقلت العلاقة بين البلدين من التحالف والتعاون في فترة سابقة إلى العداء والمواجهة السياسية والعسكرية والعقوبات الاقتصادية. وفي عام 2026، دخل الصراع بين واشنطن وطهران مرحلة جديدة مع اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة في 28 فبراير، أعقبتها ضربات متبادلة وتوترات امتدت إلى عدة دول وممرات مائية استراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز .  لكن لفهم حرب أمريكا وإيران الحالية، لا بد من العودة إلى جذور الخلاف التي تعود إلى أكثر من سبعة عقود. ما سبب العداء بين أمريكا وإيران؟ لم يبدأ الخلاف الأمريكي الإيراني مع البرنامج النووي الإيراني، بل سبقه تاريخ طويل من الأحداث السياسية والعسكرية. ومن أهم أسباب التوتر بين البلدين: انقلاب عام 1953 في إيران. الثورة الإيرانية عام 1979. أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران. قطع العلاقات الدبلوماسية. البرنامج النووي الإيراني. العقوبات الأمريكية على إيران. النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. دعم إيران لجماعات مسلحة في المنطقة بحسب واشنطن. البرنامج الصاروخي الإيراني. المو...
الحرب بين روسيا وأوكرانيا: الأسباب والتطورات والتداعيات ومستقبل الصراع

الحرب بين روسيا وأوكرانيا: الأسباب والتطورات والتداعيات ومستقبل الصراع

تُعد الحرب بين روسيا وأوكرانيا واحدة من أكبر وأخطر الصراعات العسكرية في أوروبا منذ عقود، وقد تحولت منذ اندلاع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022 إلى أزمة دولية واسعة تتجاوز حدود البلدين. فالحرب لم تؤثر فقط في روسيا وأوكرانيا، بل انعكست تداعياتها على أوروبا والولايات المتحدة والاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والغذاء والأمن الدولي. كما أصبحت أوكرانيا محورًا رئيسيًا للتنافس بين روسيا والدول الغربية حول مستقبل الأمن الأوروبي والنظام الدولي. متى بدأت الحرب بين روسيا وأوكرانيا؟ رغم أن الغزو الروسي الشامل بدأ في 24 فبراير 2022 ، فإن جذور الصراع تعود إلى سنوات سابقة، خصوصًا إلى أحداث عام 2014 عندما سيطرت روسيا على شبه جزيرة القرم، واندلع القتال في منطقة دونباس بين القوات الأوكرانية والانفصاليين المدعومين من روسيا. وفي فبراير 2022، أعلنت موسكو بدء ما وصفته بـ”العملية العسكرية الخاصة”، ودخلت القوات الروسية الأراضي الأوكرانية من عدة اتجاهات، بما في ذلك من بيلاروسيا شمالًا، ومن الأراضي الروسية شرقًا، ومن شبه جزيرة القرم جنوبًا. أما أوكرانيا والدول الغربية، فوصفت العملية بأنها غزو روس...
تفاصيل زيارة السيسي إلى ماليزيا الاتفاقيات الجديدة ومستقبل التعاون بين البلدين

تفاصيل زيارة السيسي إلى ماليزيا الاتفاقيات الجديدة ومستقبل التعاون بين البلدين

شهدت العلاقات المصرية الماليزية تطورًا لافتًا في أكتوبر 2026، مع زيارة الدولة التي أجراها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى ماليزيا، ضمن جولة آسيوية شملت عددًا من الدول بهدف تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري. وتضمنت الزيارة لقاءات رفيعة المستوى مع ملك ماليزيا السلطان إبراهيم ورئيس الوزراء أنور إبراهيم، إلى جانب مباحثات موسعة وتوقيع عدد من مذكرات التفاهم بين البلدين. وتكتسب زيارة السيسي إلى ماليزيا أهمية خاصة في ظل سعي القاهرة وكوالالمبور إلى توسيع الشراكة الثنائية، وزيادة حجم التعاون التجاري والصناعي، وتنسيق المواقف تجاه القضايا الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والتطورات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط. تفاصيل زيارة عبد الفتاح السيسي إلى ماليزيا في أكتوبر 2026 وصل الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مطار كوالالمبور الدولي يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، في مستهل زيارة دولة رسمية إلى ماليزيا، وكان في استقباله رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم وعدد من كبار المسؤولين الماليزيين، إلى جانب ممثلين عن البعثة الدبلوماسية المصرية. وجاءت الزيارة في إطار جولة آسيوية أوسع بد...
حلف بريكس BRICS الدول الأعضاء والأهداف وتأثيره على الدولار والاقتصاد العالمي

حلف بريكس BRICS الدول الأعضاء والأهداف وتأثيره على الدولار والاقتصاد العالمي

يُعد حلف بريكس (BRICS) من أبرز التكتلات الاقتصادية والسياسية التي تسعى إلى تعزيز التعاون بين الاقتصادات الناشئة والقوى الدولية الكبرى، وزيادة تأثيرها في القرارات الاقتصادية والسياسية العالمية. وقد ازدادت أهمية المجموعة مع توسع عضويتها، وارتفاع النقاشات حول مستقبل الدولار الأمريكي، وإصلاح المؤسسات المالية الدولية، وبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب. وعلى الرغم من شيوع وصفه بالحلف، فإن بريكس ليس تحالفًا عسكريًا مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل هو تجمع للتعاون الاقتصادي والسياسي والتنموي، يهدف إلى تنسيق المواقف بين الدول الأعضاء وتوسيع فرص التجارة والاستثمار والتمويل. ويثير صعود بريكس العديد من التساؤلات حول مستقبل النظام العالمي، وأهداف المجموعة الحقيقية، وقدرتها على منافسة مجموعة السبع والولايات المتحدة، وتأثير توسعها على أسواق الطاقة والاقتصادات العربية. ما هو حلف بريكس BRICS؟ بريكس هو اختصار لأسماء خمس دول أسست المجموعة بصيغتها المعروفة، وهي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا. ظهر مصطلح BRIC عام 2001 في الأوساط الاقتصادية، ثم تطور التعاون بين الدول الأربع الأولى إلى إطار س...
حرب اليمن القصة الكاملة للصراع بين الحوثيين والحكومة اليمنية

حرب اليمن القصة الكاملة للصراع بين الحوثيين والحكومة اليمنية

  تُعد الحرب اليمنية بين جماعة الحوثيين والقوى المناهضة لهم، وفي مقدمتها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، واحدة من أكثر النزاعات تعقيداً في الشرق الأوسط. بدأت جذور الأزمة الحديثة مع الاضطرابات السياسية التي شهدها اليمن بعد عام 2011، ثم تحولت إلى حرب واسعة النطاق بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، قبل أن تتدخل دول إقليمية بقيادة السعودية عسكرياً في مارس/آذار 2015 بطلب من الرئيس عبد ربه منصور هادي.  ولا يمكن اختزال الحرب في صراع ثنائي بسيط بين الحوثيين و”الشرعية”؛ فقد شاركت فيها قوى سياسية وعسكرية وقبلية وجنوبية وتنظيمات مسلحة، كما أصبحت مرتبطة بالتنافس الإقليمي، خصوصاً بين السعودية وإيران، وبأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب. بداية الأزمة اليمنية لفهم الحرب، يجب العودة إلى عام 2011، عندما اندلعت احتجاجات واسعة ضد الرئيس علي عبد الله صالح، الذي حكم اليمن لعقود. أدت المبادرة الخليجية إلى انتقال سياسي تولى بموجبه عبد ربه منصور هادي الرئاسة خلال المرحلة الانتقالية. وحاولت الأمم المتحدة والقوى السياسية اليمنية إدارة عملية انتقال سياسي شملت مؤتمر الحوار الوطني...
مؤشرات اقتراب الحرب العالمية الثالثة أخطر بؤر التوتر في العالم

مؤشرات اقتراب الحرب العالمية الثالثة أخطر بؤر التوتر في العالم

هل يمكن أن يشهد العالم حربًا عالمية ثالثة في ظل تصاعد التوترات بين القوى الكبرى؟ سؤال يزداد حضوره مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات في الشرق الأوسط، والمنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين، وتزايد المخاوف من اتساع سباق التسلح النووي. وفي ظل تشابك المصالح الاقتصادية والعسكرية بين الدول، لم تعد الأزمات الإقليمية مجرد أحداث محلية، بل أصبحت قادرة على التأثير في الأمن الدولي وأسواق الطاقة والتجارة العالمية. لكن هل تعني هذه التطورات أن اندلاع حرب عالمية ثالثة أصبح أمرًا حتميًا؟ أم أن القوى الكبرى تدرك خطورة المواجهة المباشرة وتسعى إلى تجنبها، رغم استمرار التصعيد السياسي والعسكري؟ في هذا التحليل، نستعرض أبرز العوامل التي قد تدفع العالم نحو مواجهة دولية واسعة، ونناقش أخطر بؤر التوتر، ودور الأسلحة النووية والتحالفات العسكرية، والسيناريوهات المحتملة لمستقبل النظام الدولي، مع التمييز بين المخاطر الواقعية والتوقعات التي لا تستند إلى أدلة كافية. ما المقصود بالحرب العالمية الثالثة؟ يُستخدم مصطلح الحرب العالمية الثالثة لوصف مواجهة عسكرية واسعة تشارك فيها عدة قوى دولية كبرى، و...
حرب السودان أسباب الصراع بين الجيش والدعم السريع وتطورات الحرب

حرب السودان أسباب الصراع بين الجيش والدعم السريع وتطورات الحرب

  الحرب في السودان: الأسباب والتطورات والأطراف المتحاربة والتداعيات الإنسانية والسياسية تُعد الحرب في السودان واحدة من أخطر الأزمات السياسية والعسكرية والإنسانية في العالم خلال السنوات الأخيرة. فمنذ اندلاع القتال في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تحولت الأزمة من صراع على السلطة داخل الدولة إلى حرب واسعة امتدت إلى عدد كبير من الولايات، وأدت إلى انهيار أجزاء كبيرة من البنية التحتية والاقتصاد والخدمات الأساسية، إضافة إلى واحدة من أكبر موجات النزوح في العالم. ورغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على بداية الحرب، لم يتمكن أي طرف من تحقيق حسم نهائي للصراع. وبينما استعادت القوات المسلحة السودانية السيطرة على العاصمة الخرطوم ومناطق أخرى، لا تزال قوات الدعم السريع تسيطر على مساحات واسعة من إقليم دارفور وأجزاء من كردفان، فيما أصبحت مناطق جديدة مثل كردفان وولاية النيل الأزرق ساحات رئيسية للقتال. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 14 مليون شخص اضطروا إلى النزوح منذ بداية الحرب، بينما تجاوز عدد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية عشرات الملايين. كما تصف الأمم ...